حكايا الصمت
صمت يُنْضج.. وصمت يُطفئ !
مدخل : حين يبدأ الداخل بالكلام

ونحن نعيش زمن الصفاء الداخلي في هذا الشهر الكريم ، حين يهدأ الخارج وتخفت حدة اليوم ، يتقدم الصمتإلى الواجهة ويتخفف الجسد وتصفو المعنى ، فبدا لي :
– أن الصمت ليس حالة واحدة ، وأن السكون ليس نورا، وأن الكلام ليس ضجيجا. فثمة صمت يُنْضج، وثمة صمت يُطفئ، وبينهما يتشكل ميزان الروح.
– أن فكرة “حكايا الصمت “هذه ليست امتدادا طبيعيا لتأملات سابقة كنت قد صُغْتها عن ” السكون والمعنى” و” الصمت العقابي ” . لذلك – أعتقد – أن هذه الخواطر أو التأملات ستأتي بوصفها تمييزا أخلاقيا وتأملا روحيا بين صنفي الصمت المشار إليهما أعلاه .
وستتوزع عبر أبواب هي :
* الصمت بوصفه مقاما لا فرارا .
* الصمت الذي يُنضج أو يسهم في الانضاج .
* الصمت المولد من الخوف أو الناتج عنه .
* الصمت في رمضان … مدرسة توازن .
* بين الصمت والكلام … ميزا للنضج .
إهداء خاص
▪︎ إلى الذين تعلموا أن الصمت ليس ضعفا وأن الكلمة أمانة.
▪︎ إلى كل من اختبروا الخلوة فاقتنعوا بها فلم يهربوا منها.
▪︎ إلى من عرفوا أن بعض السكون صلاة وأن بعض الكلام مسؤولية.
فلهم جميعا أقول بأن هذا النص التأملي ليس دعوة الى الانسحاب، بل إلى النضج التام الذي ما أحوجنا اليه.
أولا : الصمت مقام وليس فرارا
تتوزع مقامات السكون بين النور والظل، ومنها نتوقف عند:
1 – مقام الدخول : ونحن نعيش أجواء اليوم الثاني من هذا الشهر الأبرك، نجد أنفسنا وكأننا أمام بوابة منفتحة على الدواخل، حين تخف وطأة النهار ويهدأ الضجيج ، فيختلي كل منا بنفسه ليعانق صمته باعتباره بابا وبعضه جدارا . وهنا يحضرني قول ” جلال الدين الرومي”:【 الصمت لغة الله 】، ولعله – بقوله – لم يكن يقصد الامتناع عن الكلام، بل يدعو الى الدخول في طبقة أعمق من الاصغاء، اصغاء لا تُسمع فيه الأصوات، بل تدرك من خلاله المعاني.
فالصمت باعتباره نور لا يجعلك تهرب من العالم. بل يتيح لك فرصة الرؤية من عَلٍ، فهو صوت من الامتلاء، يُفضي بك إلى عدم العودة الى الضجيج بغية اثبات الوجود.
2 – مقام التخلي : لعل الصمت الناضج يشبه الوضوء قبل الصلاة ، فهو تخلٍّ عن زوائد الكلام ، وتحرر من انفعالٍ لم ينضج بعد . وفي هذا المنحى يذهب ” أبوحامد الغزالي” إلى أن آفات اللسان تبقى أخطر من آفات الجوارح،فالكلمة اذا خرجت ملكت صاحبها لهذا كان الصمت عنده ضربا من المجاهدة. والصمت هنا ليس انسحابا – كما يُعْتَقد -بل هو تزكية . هو أن تُمهل نفسك لحظة حتى لا تقول ما تندم عليه العمر كله. هو أن تترك الكلمات تختمر في دواخلك حتى تستقيم … تنضج … ولا تخرج عن حدود الصواب. ومنه نخلص إلى أن الصمت النوراني لا ولن يراكم العصاة، بل يحولها إلى فهم.
3 – مقام الظلّ : ويبقى للصمت ظله المميز. فهو ليس شبيها بصمت الكهف، يدخله المرء هربا من الضوء. صمت لا يزكي النفس بل يُقلصها. ولا يفتح أفقا، بل يغلق بابا. فعندما نصمت فإننا لا نخاف المواجهة أو نختبئ وراء الاتزان الظاهري كي لا نتحمل مسؤولية كلمة الحق. فنكون عندئ في صمت الظل. وبالتالي فهو حالة من الارتباك المُقَنَّع، الذي يقول عنه “مارتن لوتر كينغ”【 لن نتذكر كلمات أعدائنا بل صمت أصدقائنا 】، فيراكم صمت الظل – ذاك – دواخلنا ويحولها الى ثقل يصعب حمله، وكأنه هدوء خارجي وعواصف مكتومة.
4 – مقام الإصغاء : وقديما قال أحد الحكماء، أن تعاسة الإنسان تبدأ حين يعجز عن الجلوس وحده ليستمع إلى صوت دواخله . وبالتالي فإن استطعت أن تجلس مع نفسك دون أن تهرب منها فأنت في مقام النضج. أما ان احتجت الضجيج كي لا تسمع صوتك الداخلي ، فاعلم أن الصمت عندك لم يولد بعد. فالصمت الحقيقي ليس هو غياب الكلام، بل هو الحضور الكامل للوعي.
5 مقام الميزان : ليس المقصود هنا تمجيد الصمت، لأني أومن بأن الكلمة حين تكون عدلا تتحول إلى عبادة. وهو ما يتماشى مع ما قاله سقراط 【 تكلم حتى أراك … واصمت حتى ترى نفسك 】، فالنضج ليس في أن تصمت دائما، ولا في أن تركب قطار التكلم الدائم، بل هو كامن في أن يكون صمتك اختيارا لا خوفا، وكلامك نضجا … تعقلا … مسؤولية. وهو – كذلك – إدراكك بأنك لست ملزما بتبرير اختياراتك بدافع الفضول أو بدافع الشك. لأن بعض الأسئلة لا تبحث عن ثغرة لأن بعض القلوب لا تنصت لتفهم بل لترد. وحين تستوعب هذا ستدرك أن الصمت في مواضعه حكمة لا هروبا .
ومن هنا تحضرني حكاية قديمة مفادها أن【 حكيما كان يمر كل صباح من سوق صاخب، فيسمع من الناس كلمات متناقضة منهم من يمدحه، ومنهم من يسيء فهم صمته، ومنهم من يتهمه بالغرور لأنه لا يدافع عن نفسه. فسأله أحد تلاميذه ذات يوم لماذا لاتشرح لهم حقيقتك ؟ فأجابه بهدوء : لو شرحت نفسي لكل من أساء فهمي لما بقي لي وقت لأعيش حقيقتي 】.
لعل هذه الحكاية البسيطة تختصر فلسفة عميقة تكمن في أن الإنسان الناضج لا يستغرق كل وقته في تصحيح الصور التي يكون قد كونها عنه الآخرون . وبالتالي فإن فلسفة الاستغناء عن الإقناع لا تعني رفض الحوار ولا ازدراء الآخر، بل تعني التحرر من الحاجة الملحة لأن تكون مصدقا في كل مرة، وأن تحس بأن قيمتك لا تقاس بعدد من اقتنع بآرائك … مواقفك … سلوكاتك. ولا بِكَمِّ الأدلة التي تنوي تقديمها لتبرير مساراتك. لأن بعض الناس لن يروك كما أنت مهما شرحت أو بررت، يكتفون بالنظر اليك من خلال تصوراتهم لا من خلال حقيقتك.
وأنا على مقربة من فجر اليوم الثاني من رمضان، تخيلت أن الصمت الناضج يشبهه، فهو لا يعلن عن حلوله بصخب، لكنه يبدد العتمة رويدا رويدا في حين أن صمت الخوف، هو ليل يطيل المقام لأنه يخشى صفاء الشروق. وبالتالي فنحن في حكايا الصمت تلك نتعلم أن :
– بعض السكون صلاة بلا ألفاظ.
– وبعضه انتظار لنضج كعكة الحقيقة.
– وبعضه الآخر انسحاب بشرف من “معركة ” كان ينبغي الارتماء فيها.
– وبالتالي فما بين النور والظل، يتشكل انسانٌ يعرف متى وكيف يخفض صوته أو يحكم عليه بالاختفاء كي يسمع صدى قلبه ومتى يرفع صوته بقول الحق دون خشية لومة لائم، كي ينصفه العالم .
يتبع
قبيل فجر اليوم الثاني من رمضان
الموافق ليوم الجمعة 20 فبراير 2026
