رمضانيات
الجرأة الفنية والقيم الرمضانية
الدراما التلفزيونية المغربية في رمضان 2026
يحل رمضان كل عام كضيف عزيز يحمل معه طقوسا هادئة وموائد تلتئم وسهرة عائلية تتقدم فيها الشاشة لتصير جزءا من اليوم. هنا بالذات تبدأ المفارقة: الشهر الذي يطلب من الناس خفة الروح وثقل المعنى تستقبله بعض الأعمال بمشاهد حادة وحوارات صاخبة كأنها تختبر صبر البيت لا ذائقته فقط. وحين تتزاحم الضحكات والدموع والإعلانات في ساعة واحدة يتحول السؤال من مجرد ترفيه إلى نقاش عن الذوق العام وعن حدود ما يقال وما يترك للستر.
موسم حساس
رمضان ليس كغيره من المواسم. المشاهدة فيه غالبا جماعية والقرار لا يتخذه فرد منعزل بل أسرة كاملة يجلس فيها الكبير قبل الصغير وتتجاور الأذواق كما تتجاور الأيدي حول المائدة. لذلك تبدو أي لقطة موحية أو إيحاء ثقيل أو عنف مبالغ فيه كأنه ضيف غير مدعو. الإعتراض هنا ليس على الدراما من حيث هي مرآة بل على توقيت المرآة حين تكون الأسرة أقرب ما تكون إلى بعضها وحين يبحث الناس عن طمأنينة لا عن إستفزاز.
جرأة أم إثارة
تدافع بعض الأعمال عن نفسها بالقول إنها تقترب من الواقع وتفضح المسكوت عنه: خيانة وإبتزاز وتحرش وصراعات داخل البيت وأزمات نفسية. والإقتراب من الجراح الإجتماعية قد يكون خدمة للوعي إذا جاء بحساسية وصدق. لكن المشكلة تظهر عندما تتحول الجرأة إلى حيلة تسويقية يقاس نجاحها بعدد المقاطع المتداولة لا بعمق الفكرة. عندها يصبح الجسد بديلا عن الحكاية وتغدو الصدمة بديلا عن الإقناع ويتراجع الفن إلى مستوى الضجيج.
تعدد المنصات
لم تعد القنوات وحدها من يحدد ما يشاهده الناس. المنصات والمقاطع القصيرة وتعليقات الشبكات كلها تصنع موجة قد ترفع عملا أو تغرقه خلال ساعات. ومع ذلك يبقى البيت هو الحكم الأخير. قد ينجح مسلسل في جذب فئة تبحث عن إيقاع سريع لكنه يخسر ثقة عائلات تريد حكاية نظيفة اللسان واضحة الهدف لا تضع المشاهد في حرج أمام أطفاله. وحين تتكرر الحيرة ليلة بعد أخرى يتحول الأمر إلى عادة جديدة: تغيير القناة أو إطفاء التلفاز أو الهجرة إلى محتوى أقدم وأكثر أمانا.
رقابة الذات
الحديث عن المنع سهل لكنه لا يصنع فنا. الأجدى هو بناء حس داخلي لدى الكاتب والمخرج: ماذا سيضيف للمشهد لو خفف الإيحاء؟ هل ستضعف الفكرة أم ستقوى؟ غالبا ستقوى لأن الخيال أبلغ من التصريح والستر أعمق من التعري والرمز يترك أثرا أبقى من المشهد المباشر. الرقابة الذاتية ليست خوفا من الجمهور بل إحترام لعقل المتلقي ولخصوصية الشهر وإيمان بأن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى كسر الأبواب كي يدخل.
حكايات مناسبة
هناك بدائل كثيرة لا تقل تشويقا: دراما إجتماعية تعالج الفقر والبطالة بكرامة وكوميديا ذكية لا تسخر من القيم بل من التناقضات اليومية وأعمال تاريخية أو سيرية تعطي للذاكرة حقها وحكايات عن الجيرة والرحم ومسؤولية الكلمة. مثل هذه الأنماط لا تتهرب من الواقع لكنها تختار له لغة أنقى فتجعل المشاهد يعود غدا لا ليرى فضيحة جديدة بل ليلتقط معنى جديدا.
إمتحان الشاشة
قد يكون رمضان إمتحانا للشاشة بقدر ما هو إمتحان للناس. هل نريد فنا يربح الجدل أم فنا يربح القلوب؟ هل تقاس الجرأة بإرتفاع الصوت أم بقدرة العمل على قول الحقيقة دون أن يجرح الحياء؟ وأين تقف حرية التعبير حين يتحول البيت إلى صالة عرض مشتركة لا يملك فيها الفرد وحده جهاز التحكم؟ ربما آن الأوان لنسأل أيضا: ماذا لو كانت قوة الدراما في قدرتها على التهذيب لا الإستفزاز وعلى الإضاءة لا الفضح وعلى جمع العائلة لا تفريقها؟
منير لكماني 20/02/26 ألمانيا
