قصة للكاتب عبد الرحمن بوطيب: الجزء 3
حكاية المرجع الجديد حول قصيدة النثر الحداثية، قد أَعْثُرُ عليه في معرض كتاب مستعمل… أو ربما مهمل)
قصة قصيرة
عبد الرحمن بوطيب / المغرب
الجزء الثالث: (3/ تدوير)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
استهلال:
[ لا تبدأ الكتابة إلا بعد “رحيل”…
نلبس جلابيب أموات،
نتلفت إلى كل ما فات،
موتى نحن في وهم حياة…
وما كل ما نشتهيه آت ]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة القصيرة
* حكاية المرجع الجديد حول قصيدة النثر الحداثية، قد أعثر عليه في معرض كتاب مستعمل… أو ربما مهمل.
*
3/ تدوير
لما لم أعثر على مرجعي المطلوب في مكتبات الأحباس، ولم أعثر على بقاياه عند أصدقاء قدامى التهموه إلى آخر جلدة من صفحة غلاف أخير، توجهتُ نحو معرض كتب مستعملة… أو ربما حُكِمَ عليها بأن تكون مهملةً بعد أول خطوة منها من جوف مطبعة، إلى زنزانة مكتبة.
قارئي العزيز، معذرة عن السفر بك بعيدا مع هذا الاستهلال الفرعي الطويل المتعب الفارغ فراغَ كتابةِ بعضهم اليوم…
ربما هي لذة استعراض عضلات سارد نحيف، غافلني في لعبة التسلي بحكي، بكل وقاحة منه وإصرار… السارد ابن عاق، متمرد، لا يعنيه رأي صاحبه الكاتب… عظام جهازه العظمي تتناغم بطقطقات ليست من باب دوزنة “طقطوقات جبلية” متناغمة بين كاتب بئيس وابن عاق لا يرعوي… لا بأس، دعه يواصل الحكي المسروق عمّا لا يجوز حكيه بصيغة مسرودة من حكّائين “ساردين بماء مريزيكا” الطاهر المطهر المعطر، غارقين في اجترار مألوفِ توليفاتِ مسروداتٍ مسكوكاتٍ قديماتٍ عتيقاتٍ… كأنها “خمرة أندرينا”، التي لا تسمن من سغب ولا تغني من عطش…
حكى عني السارد غير السارد بماء “مريزيكا”، قال: لما لم أجد ضالتي على رفوف مكتبات نائمة حالمة أحلاما “كوشمارية” طويلة لا تتوقف ليل نهار، ولما قال لي أصدقاء قدامى في مقهى موريتاني – بالتاء – حَقّكْ في الجنة تأكله هنيئا مريئا مع وجبة دسمة من صحف بشرية، غير مصنّعة بغباء اصطناعي، عذراء لم تفتض بكرتها منذ خروجها من مطبعات تَطْبَعُ كلَّ طلبات زبائن محترمين من صناع وتجار ووسطاء في زمن وساطة وعملة خاصة تدفع “من تحت الدف” أو “من فوق الردف”… معذرة قارئي العزيز، هذا هو الحقل المعجمي الدلالي الوظيفي الذي لن أعتذر لك عن شحنته الإيروسية… كان صاحب “الروض العاطر في نزهة الخاطر” رائدا ومرجعا فيها، مع أخواتها المحكيات الساخنات في حضن ألف ليلة وليلة راسبوتينية، مع لفيف مقرون “مكرنن” بذاك “الخبز الحافي”، الذي يُشْكَرُ عليه شكري وهو الشاكر بعضَ الناس، وما هم من الناس، على اقتناء خبزه الحافي بالجملة والتقسيط من كل الدكاكين، والمتاجر، والمداشر، والأسواق الشعبية والعصرية، والأحباس التقليدية حتى لا يصاب قوم بانتصاب عضو حساس جائع رابض متربص مكمّش على فراغ منهم في أدمغة وبطون وجيوب…
نعم، لم أجد ضالتي في أحباس، لكن الفرج ممكن، مطلبي بالتأكيد سيكون متوفرا، ولو بنسخة وحيدة يتيمة مهملة ليست كمثل “يتيمة دهر ثعالبية”، نسخة منسية على رف عتيق بمعرض كتاب مستعمل… أو ربما مهمل… وكتبيو “القريعة” أعلم بهذه الحال التي لا تُعْجِبُ منها حالٌ… أكيد أنك تعرف، عزيزي قارئي البيضاوي المهووس بجريٍ وراء أوراق قديمات مهملات، هي ليست حتما من نوع “أوراق عَرْوِيَّة ” كادت أن تصبح إرثا مشروعا لبائع حمص وفول، وما كان “عَرْوِيُّها” على ضلالة وتوهّم من تخوفاته…
تجري وتلهث من “جوطية درب غلف”، إلى “جوطية مدينة قديمة”، إلى أروقة بسوق “القريعة” للرجل القديم “بورّة” ومن معه من رجال متورطين في غواية قديم، ليس لِقِدَمِهِ كما هو حال إخوان لنا ينتصرون لكل تليد حبا في عبقٍ قديم ثاو بين جوانحه، وما هم لنا أعداء، ولا هم منا محارَبون مضطهَدون، معاذ الله أن نخاصم رفاقا في حب حروف ما منهم نفاق ولا شقاق، واسألوا فقيهنا شاعرنا “إبراهيم الموساوي”، الأسد الأطلسي الأمازيغي المحبوب، المسكون بأوتاد وأسباب وعلل وترخيصات سبقها إليه بكل شرف و”تحنزيز” صاحبه “متنبّيه” وهو يجمع شتات بوقه على بوقات…
(وَلَايْنِّي تبويقةْ هادي أسي المتنبي الكبير، يمكن ما تكون غير تبويقة يمانية قاتيّة، أما العشبة الكِيفية راها مسكينة ظريفة ما تخرجك على السطر).
نقول عن “السي إبراهيم”، بيننا وبينه حفظه الله شَدٌّ وجذبٌ، سامحنا الله على مشاكسته، وسامح هَوَسَنا بقصيدة نثر حداثية تصدّع رأسَه الجميل الموزونَ المدوزَن على خرير عصير في دنان من تلك “المعلومة المدوِّخة أندرينا” ساعةَ وقوف على أطلال من مدينة “كازانيغرا”، أو نقولها صراحة، ولا عيب في كلام، هي “كازانيخرا”، هكذا بالخاء وما جاورها من سقط متاع من عل إلى سافل.. اسألوا العزيز الغالي “إبراهيم” الشاعر المهووس بِحَرْكَةٍ على خيل من فيالق عبس وذبيان، في ساح قول على قول، وقسما إنه لقول تليد مدوزن على قولٍ مشاغبٍ من كلام ليس ككل كلام، قالوا عنه إنه شعرُ مرحلةٍ وتكسيرٍ لما وجب في حقه تكسير، ونحن نؤمن بأنه لا قدسية لنموذج، سامح الله عنادا منا و”قسوحية راسْ”… شِعرٌ نثري حداثي يتبع أصحابَه الضالين رفاقٌ من جوقة شعراء “مبرزِطين” غاوين شاردين منبوذين كما بعيرٍ أجربَ وطَرَفَةٍ صاحبِ الثلاث من عِيشَةٍ، الذي”زَغَبَهُ طَيْشُهُ فجابها في راسه القاسح بين قوم راسْهم رطبْ صغيرْ لا مخ فيه ولا مخيخ”، وقد تورط في الحديث الماكر عن هذا ذاك المزعجُ “ولد خلدون” رحمه الله ورحم “مقدمته” الهزيلة،
التي هزمتها بالضربة القاضية في ليلة “نيرونية حمراء” مُؤخِّرةُ “روبي السالومية” المتوحشة المكتنزة، ومن بعض عُرْبٍ غربانٌ لها تقديس و”تمحليس”، وأنتم سادتي الكرام على هذا الشّي وذاك الشّي شاهدون، بغيتوا أو كرهتوا…
أقول عن شعرائنا الضالين المضلِّلين هم قوم ليسوا ككل قوم، يسكرون بعرق من ماء غير آسن، هو ليس بالضرورة مَمْتوحا من وادي عبقر الطاهر، فلهم مواردُ سقيٍ ومتحٍ من بردى والنيل والبهي سبو درعة أم الربيع، أدام الله عليكم وعلينا نعمة الحلم بربيع حداثي ليس “كربيعٍ” أَهْبَلَ قالوا إنه ربيع عربي مزهر، نَطَحَ صخرةً قديمة، كوعل آخرَ بليدٍ ناطحها ليوهنها وما أَوْهَن “الزُّغْبِيُّ” غيرَ قرنٍ منه وحلمٍ سابح في سراب ليس ككل سراب…
ـــ سبحان الله، الرجوعْ لله أسي الكاتب الشاعر الناقد الحداثي عند راسو… راك خرجتِ على السطر… خلينا نديرو شغلنا السردي ودير راسك وسط الريوس… مالك على هاد قسوحية الكمارة، احنا ما نخدموش؟ باز… سير لموريتانيا، بالطاء المطنطنة بزّز، ودفق فكرشك شي قهيوة نتا وداك “سي إبراهيم” صاحبك اللي منوض ليك القوق فالراس بفعولن مفاعيلن وقفا نبك… الله يعطيكم…
ـــ لواه بزيز أسي السارد اللي عاجبو راسو وهو حتى واحد ما مدّيها فيه وفزابورو، مالك باش جاي باش داير… ياك هذا شغلي أنا، واش بغيتي حتى نتا تسرق هديك المنكوبة من قصيدة نثر حداثية وتسمي راسك شاعر حداثي؟ باز، عفوا… بزيز؟ يالله زْوِي نسمعوك إلى عندك شي ما تفبرك… غير نوض وخدم قْصِدَة ورواية… الله يعطيك…
حكى “السارد المزغوب”، قال:
نعود إلى معرضٍ مهمل، ليس في الأحباس، فلا معارض تقام بها، ونقول كي لا ينقطع حبل سرد وإفراغ حقيبة: (نعرف أنه معرض سنوي ناجح بشكل غريب… إقبال منقطع النظير في زمن بكاء على أطلالِ اقتناءٍ وقراءةٍ وسهرٍ مع منع أوراق بعيدا عن جلبة موازين وخيمات مْوَاَسْم بدون تبوريدة عروبية لذيذة، والله أعلم بحال قوم وناس ما هم كائنات ورقية، فغالب الظن ـــ على ما رأت “الشوافة” في فنجان قهوة غير مغسول ـــ أنهم كائنات عاشبة لاحمة ماضغة سارطة بالعة متبولة من أمام، خرّاءة من وراء، صائمة عن حروف مشاغبة مبرزطة وصداع راس صغير لا مخ ولا مخيخ فيه والحمد لله، كائنات من متصفحين لا متبضعين ولا قارئين، إلا ما جاء منهم من قراءة أخبار حمّى جيوب منهم فارغة، أو بالكاد هي فارغة كمعدات منهم وأمعاء).
معذرة قارئي العزيز، شفتي هداك المنطوح مول “نظام التفاهة” أش دار وَسْلَتْ…
أراك تتهم صاحبنا بأنه سيبحث عن نسخة مستعملة، أو ربما مهملة، من كتاب جديد لم يصدر إلا هذا الأسبوع، لم يعثر عليه في “مكتبات أحباس”، وبين
أيدي أصدقاء “موريتانيين” بجلسةِ متعةٍ وفائدةٍ وصلةِ رحمِ حروفٍ وصلاةِ جنازةٍ على ماضٍ وَلَّى وأدبر، لا يعود بعد رحيلِ أهلِ زمانٍ وخلانِ بوحٍ وتشريحِ جدرانِ زنازنَ وأشواكِ قضبانٍ ذاتَ زمن رصاص وقصاص… لا تتهمه عزيزي…
الإصدار جديد حقا، بَيْدَ أنّ الحروفَ قديمةٌ مسروقة في زمن اسرقْ قبل أن أسرق قبلك…
ـــ زوينة عندك هادْ “بَيْدَ أنَّ” عندك… أَ لّا أسّي السارد، راعي شوية واحشم.
ــ هنّينا، نتا مْقابْلْ غير ديك الانزياحات والتزحلقات اللغوية عندك… سد دركومك…
نواصل قبل ما يتوضر راس الحنش: جزاه الله خيرا ذاك الطيب النبيل قال: (الأفكار مطروحة في الطريق، القاصي والداني)… إوا باركا من ابتزاز اعتذارات على الكلام الناقص ليست كالاعتذارات الرسمية الكاملة المكمولة…
نعود إلى حكي مقطوع مقطِّع أوصالٍ وحروف، نقول:
بعد وصول صاحبنا “الحداثي عند راسو” إلى معرض كتاب مستعمل في دورته الثالثة عشرة المباركة… على الأقل، وعلى الأكثر أيضا، إن لم يعثر على النسخة المطلوبة، وهذا احتمال غير مشروع، فإننا سنسعد بلقاء قوم من قومنا وعشيرتنا العميقة، أهل صاحبنا “بورّة القديم”، ونتبرك معهم بصلة رحم حروف وغوايةِ “عشق قديم مستعمل”… عسى ألا يكون مهملا.
بلّاتي… تسنّاو… شفتو هاد خونا الحداثي “عند راسو” جاي يْمِيَخْل فالقديم… باز وبزيز بزوج… قال لك باغي “يكسر ما وجب في حقه تكسير” من شي قديم وشي خرافات وشي قيود، ولو كانت مذهّبة… الله يعطينا وجهك… سير تكمش أسي الشاعر بلا شعر، ولا شعير، ولا ستة حمص.
ـــ غير زِْوي… يا ما زواو قرانك وسطحوا ديك “الصخرة الوعليّة”… تسنّى لي جاي كاطريام، ما يخاف ما يدهش.
ـــ واه، سمعتو التحنقيز والتفرفير… قال ليك (أجيو أ خوالي نوريكم خيمة مّي حنا)… وغير بقشش على خاطرك فالقديم، راه إلى ما غناك يدزيك… سي “بورّة القديم” راه يشارجي ليك الكوفر… وبالكريدي بلا متيريس، وخا حتى هوا مسكين الله غالب… راه عارفك غير شي شاعر مزلوط ماشي شِي… كمل من قلقولتك المربعة أبو راس وهنّينا.
