دفتر الشتاء ..
الصمت كخيار وجودي
استهلال مدخلي :
بعد هذا المسار والتنقل بين صفحات دفتر الشتاء الذي كنت قد فتحته ذات يوم وأنا بمدينة” مالاكا ” الاسبانية، لم يعد الصمت عندي فكرة مجردة ، بل غدا تجربة معيشة ترافق ذاك العبور . باعتباره عبورا لا يقوم على القطع ولا حتى على الخلاصات الحاسمة ، بل على خفَّة متأنية وثقة هادئة ، بأن المعنى لا يقال كله ، ولكنه يُعاش عبر كل اللحظات … المحطات … المواقف .
عن العبور بِخِفَّة
لم يعد الصمت مجرد سلوك عابر ، ولاهو ردة فعل عن ضجيج العالم ، بل يتحول تدريجيا الى خيار وجودي .
اختيار لا يقوم على الانسحاب ، ولا على الزهد الاستعراضي ، بل الوعي بحدود الطاقة والتمييز بين قيمة ما يُستحق أن يُعاش ، وما لم يعد يستحق التضحية أو الاستنزاف العاطفي .
فأن تختار الصمت ، فلا يعني ذلك التخلي عن المواقف ، أو المساومة على ما امنا به طويلا . وانما أن نعيد تعريف الطريقة التي نحمل بها هذه القناعات ، ونخفف من حدّتها … رغبتها في المواجهة الدائمة ، دون أن نفقد جوهرها . ويبقى الصمت بهذا المعنى :
* هو انتقال من اثبات الذات الى فهمها ، ومن الدفاع عنها الى التصالح معها .
* هو أن نَكُفَّ عن تفسير أنفسنا للاخرين ، وأن نرضخ لرغباتهم وأن نسمح لحياتنا بقول ماهي راغبة فيه .
في هذا الموقف وذاك الاختيار ، نتعلم أن العبور لا ولن يحتاج الى أي حركية أو ضجيج ، لأن المراحل الكبرى في الحياة – كما تَعَلمنا – لا تُعْلَنُ دوما ، وانما تُعاش
في :
هدوء تام
تراجع محسوب
تًخَليّ غير جارح
قبول ورضا معقلنين
فالصمت كخيار وجودي، هو أن نُحْسِن التمييز بين مايستحق العناية وما يمكن تركه دون ندم . وبين ما نواصل حمله لأنه جزء منا ، وما نضعه جانبا لأنه أدى وظيفته وانتهى الى غير رجعة .
وهكذا نصل الى شكل تان من الخفة ، بعيدا عن الفراغ ، متحررا من كل زائد . خفة تسمح لنا بأن نواصل الطريق بخطى أكثر ثابتا . وفي هذا الصمت المختار – عن قناعة – لا نغلق الحياة ، بل نُشْرِعُ أبوابها ، نفتحها على عمق جديد . نتركها لتقول كل ما تبقّى دون استعجال ، ونحن لها مرافقين بانصات ممتنّ حتى اخر العبور .
المختار عنقا الإدريسي
