بين الصمت والزمن..
نوع آخر من الحضور

استهلال مدخلي
حين نخفف علاقاتنا بالآخرين ، ونحد من فائض التوقعات … الانتظارات، ونعيد ترتيب القرب والمسافة، يطرح الزمن نفسه بسؤال أعمق، مختلف :
ما الذي يستحق أن نحمله معنا ؟ وما الذي ان أوان تركه؟
في هذا السؤال يصبح الصمت أداة لاعادة وزن الزمن لا لقياسه.
ما الذي يتبقى حين نخفف الحمل؟
في هذا العمر، لا يعود الزمن مجرد تعاقب أو تتالي للأيام، ولا سباقا مع ما لم ننجزه بعد. يتحول شيئا فشيئا الى رفيق الدرب الصامت … المتأمل … المنتظر، يختبر قدراتنا على التخفف من كل الأعباء، عوض خوض غمار الاستمرارية والبقاء. وتكون التجربة قد علمتنا أن علاقتنا بالزمن كانت – ولازالت – علاقة امتلاء ، لا علاقة معنى امتلاء ب:
المواعيد …
الرغبات …
الاتزان …
الالتزامات …
واللحاق بكل شيء قبل فوات الاوان .
لكن الصمت يكشف متأخرا، أن الزمن لايقاس بما نحمله فيه، بل بما ننجح في تجاوزه … تركه … تناسيه.
خلال كل ذلك يبقى الصمت، ليس توقفا عن الفعل، ولا استسلاما لمرور الوقت، بل اعادة تفاوض هادئة معه. نتعلم فيها ومن خلالها أن بعض السرعة كانت من باب الخوف وليست ضرورة حتمية، وأن كثيرا من العجلة ما كانت الا هروبا من دوامة الإنصات إلى ما يطلبه الجسد وتتوخاه الروح .
ونحن حين نصغي للزمن في صمته، نكتشف أن ما يتبقَّى ليس ما أنجزناه فحسب، بل ما عشناه بهدوء تام . فاللحظات التي لم نُثقلها بالتفسير، والعلاقات التي لم نرهقها بالتوقعات، والأيام التي كنا متسامحين معها في أن تمر دون مقاومة. ففي تلك المنعطفات وخلالها يصبح التخفف سلوكا ديمقراطيا وفعلا أخلاقيا . ما أحوجنا – في هذا العمر الشتائي – له بكل تلاوينه. فنسعى الى التخفف من : الكلام الذي لا يضيف …المشاريع التي لا تشبهنا … الرؤى البعيدة عنا … الصراعات التي استنفدت معناها … لا لأننا يئسنا، بل لأننا فهمنا وارتوينا.
هنا تأتي رداءات الصمت لتلفنا وتقينا من وطأة شتاء العمر، وتساعدنا على أن نموضع الزمن بكل حمولته في المكان الصحيح، ليس باعتباره خصما نطارده، ولا ارثا نخشى ضياعه. بل لكونه مجالا محدودا نحسن استخدامه عند كل اصغاء جيد. وبذلك فان الزمن لا يفرغ حين نخفف ذاك الحمل، بل نجعله ممتلئا بنوع آخر من الحضور: حضور أقل صخبا … أكثر عمقا … أقرب الى ما نريد أن نكونه في ما تبقى من مرحلة العبور التي نعيشها الآن. وغدا لناظره قريب…
طنجة 27 . 1. 2026
