الصمت والذاكرة …

الصمت والذاكرة …

حين يهدأ الماضي

1 الصمت باعتباره مساحة للتصالح .

الذاكرة في هذا العمر ، ليست ساحة للمحاسبة، ولا العلاقات مجالا للشد والجذب . فكلاهما يحتاج الى الصمت لا بوصفه فراغا ، بل باعتباره تلك المساحة التي يصبح فيها التصالح – بمختلف أشكاله – ممكنا للتجاوز .
فحين نهدأ ، لا نلغي الماضي ، بل ننظر اليه دون أية خصومة . فتتغير معه طبيعة الذاكرة ، ولاتعود دفترا للحساب ، ولا حقلا للألم المؤجل ، بل تغدو خبرة انسانية دائمة الحركة والتحرك ، تبحث عن المعنى وليس عن الادانة .
في الصمت نتعلم أن بعض ما نحتفظ به لا يحتاج الى أي تفسير ، بقدر م اهو في حاجة ماسة الى نظرة أعمق … أوسع … أرحم . وبالقدر نفسه تحتاج العلاقات المتأخرة في هذا العمر الى ذاك الصمت العادل… المعقلن ، الذي لا يقطع الوصل ولا يراكم المسافات ، بل يضع لكل علاقة حدودها الصحية، مع الحرص على استحضار ما يقال حين يلزم القول، وما يترك احتراما للتجربة، وما يُسَامَح لأنه كان – ذات يوم – جزءا من العبور . لأن الصمت هنا ليس برودا عاطفيا ، ولا تخليا عن الحميمية ، بل هو انتقال من علاقات تقوم على الامتلاء الدائم ، الى علاقات أكثر اتزانا … أقل مطالبة … أصدق حضورا .
في هذه المساحة الصامتة . نصالح الآخرين دون أن نسمح لذواتنا بالذوبان فيهم . ونتعلم أن القرب لا يقاس بكثرة الكلام ، كما أن البعد لا يقاس بالصمت . وهكذا يصبح الصمت ممارسة أخلاقية… حكمة عملية… طريقة هادئة لحماية ماتبقى من المعنى في :
الذاكرة
العلاقات
مانختار حمله معنا .

2 الصمت والعلاقات وأخلاق المسافات

في هذا العمر الذي أعيشه – وكثير من أمثالي – لم تعد العلاقات امتحانا للحضور الدائم ، ولا ساحة لإثبات القرب ممن يدور في فلكنا أو الدفاع عنهم . وقد تصير على نحو أعمق ، مسؤولية أخلاقية تتطلب قدرا من الاتزان … التروي … الصدق …الصمت.
لقد علمتني الحياة … التجارب …أن الخلاف لا يفسد علاقاتنا ، بقدر ما يفسدها الاصرار على الكلام في الوقت الخطأ ، والرغبة في الحسم حين يكون المطلوب هو التريث . علما أن الصمت هنا ليس قطيعة ، ولا تمزيقا لرداءات الهدوء ، ولا انسحابا من الود . بل هو مسافة ضرورية لحماية العلاقات من أي استهلاك ، وحفظها من فائض التوقعات ومن ثقل العتاب المتراكم . في العلاقات المتأخرة من العمر ، نتعلم أن القرب لا ولن يعني الامتلاء الدائم ، وأن المحبة لا تقاس بكثرة الحضور ، وأن الصداقة لا تحتاج الى التبرير المستمر . فيكفي أحيانا أن نترك للاخر مساحته، ولأنفسنا حق وواجب الهدوء. والصمت في المجال العلائقي لايعني الانكماش أو الاستكانة، بل  أن نكون على بينة من : متى ينبغي لنا أن نتكلم ؟ ومتى نكتفي بالإصغاء والتأمل ؟. وهو كذلك الإلمام بوقت تقبل الأسئلة التي لا تحتاج إلى أي جواب ، واستضمار بعض الجراح وتركها تلتئم بالتروي والصبر، عوض الرد أو الشرح . ورغم أن ليس كل صمت هو فضيلة لكن الصمت الذي تُوَلِّده الخبرة ، ويُنْتِجُه احترام حدود الذات والآخر ، يغدو شكلا من أشكال الحكمة والتعقل ، وبذلك فإن الصمت الذي لا يُقْصِي … لا يعاقب … لا يبتز ، بل يفسح المجال لأن تستعيد العلاقة توازنها ، ويسترجع الصفاء أديمه معها . في هذا المنعطف من العمر نميل الى علاقات أقل عددا وأعمق أثرا . علاقات لاتقوم على الاستهلاك العاطفي أو الرياء الاجتماعي ، ولا على الحضور الإجباري ، بل على الود الهادئ … الثقة الصامتة … القدرة على الغياب ، دون خوف من الفقد . فيكون الصمت بهذا المعنى ، ليس علامة فتور ، بل دليلَ نضج ، ويضحى حبا دون امتلاك ،
واقتراب دون تذويب للمسافات والفواصل. وقد يكون اختلافا دون تكسير للخيط الإنساني الجامع بيننا . وهكذا تصبح العلاقات في هذه المرحلة العمرية أخفَّ عبئا وأصدق معنى . نغترف منها ما يضيف الى أرواحنا البهجة والانشراح ، ونترك ما أثقلها بهدوء تام لا يخلو من كل امتنان .

طنجة في 24 .1 .2026
عنقا الادريسي المختار

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com