رأي: النجاح الهش…

رأي: النجاح الهش…

حين يهدم النقد القاسي نفسية المتعلم 

       ذ.  رشيدة مكلوف

بعد أكثر من عشرين سنة من العمل التربوي أصبحت أدرك أن النقد ليس مجرد أداة لتصحيح الخطأ أو تقويم التعلمات، بل هو فعل تربوي عميق الأثر قد يسهم في بناء نفسية المتعلم كما قد يكون سببًا في هدمها. فالمتعلم في سنواته الأولى لا يملك بعد أدوات الحماية النفسية الكافية، وكل كلمة نقد تُوجَّه إليه، خاصة إذا كانت قاسية أو متكررة، تتحول في وعيه إلى حكم على قيمته الإنسانية لا إلى توجيه لسلوكه.
المتعلم الذي ينشأ في بيئة يغلب عليها النقد الجارح والمقارنات المستمرة، يتعلم باكرًا أن القبول مشروط، وأن الخطأ غير مسموح به، وأن النجاح وحده يضمن له الاعتراف. وهكذا تتشكل نفسية قلقة، خائفة من الفشل، مهووسة بالكمال، وهشة من الداخل، مهما بدا صاحبها قويًا أو متفوقًا في الظاهر.
يلعب التعليم اليوم دورًا مركزيًا في تكريس هذا الوضع، خاصة حين تُبنى برامجه على منطق النتائج والامتحانات أكثر من بنائها على النمو النفسي والمعرفي للمتعلمين. فالامتحانات الإشهادية، وعلى رأسها امتحانات البكالوريا الوطنية، بحيث لم تعد مجرد محطة تقييم، بل تحولت إلى حدث اجتماعي وإعلامي ضاغط، يُضخم التوتر، ويجعل المتعلم في مواجهة مباشرة مع الخوف والقلق.
في هذه المرحلة يصبح المتعلم محاصرًا بتوقعات الأسرة، وضغط المؤسسة التعليمية، وخطاب إعلامي يُحوّل الامتحان إلى مصير، والنتيجة إلى معيار للقيمة. ويتحول النقد، بدل أن يكون أداة دعم إلى مصدر خوف دائم. والنتيجة التي نراها بوضوح، متعلم قد ينجح وقد يتفوق، لكن نجاحه يكون في كثير من الأحيان نجاحًا براقًا من الخارج، هشًا من الداخل.
هذا النجاح لا يرمم الجرح النفسي، ولا يشفي الكسر الوجودي الذي بدأ منذ الطفولة. بل غالبًا ما يتعايش المتعلم الشاب مع قلق دائم، وشك في الذات، وخوف من أي تعثر مستقبلي. وهكذا تتكرر المأساة مع كل جيل، متعلمون ناجحون في الشهادات، مكسورون نفسيًا، غير متصالحين مع ذواتهم.
أمام هذا الواقع، يصبح التحول من سلوك النقد إلى سلوك التشجيع ضرورة تربوية لا خيارًا ثانويًا. فالتشجيع ليس تساهلًا، ولا تبريرًا للفشل، بل هو فعل تربوي واعٍ يعترف بالجهد، ويُقدّر المحاولة، ويمنح المتعلم الإحساس بالأمان النفسي الذي يحتاجه لينمو ويتعلم دون خوف.
حين نغيّر نظرتنا من التركيز على النقص إلى إبراز الإمكانات، ومن معاقبة الخطأ إلى فهمه وتحويله إلى فرصة تعلم، نكون قد اقتربنا من أداء دورنا الحقيقي، نحن كمهتمين بالشأن التربوي، وكآباء، وكفاعلين داخل المجتمع. فبالتشجيع نبني متعلمًا واثقًا من نفسه، قادرًا على اتخاذ القرار، متصالحًا مع ذاته، لا أسيرًا للخوف من الفشل أو انتظار أحكام الآخرين.
إن بناء شخص الغد القوي لا يتم عبر الضغط المستمر، ولا عبر النقد القاسي، بل عبر بيئة تربوية تُشعر المتعلم بأن قيمته لا تُختزل في نقطة امتحان، ولا في شهادة، بل في إنسانيته أولًا. ومن خلال هذا المتعلم المتوازن نفسيًا، نبني مجتمعًا واعيًا، قادرًا على التفكير، والمبادرة، وتحمل المسؤولية.
وحين نتحدث عن المجتمع، فإننا نقصد بالأساس المجتمع المغربي، الذي يشهد اليوم تحولات واضحة نحو الأفضل، بخطى ثابتة وإن كانت بطيئة أحيانًا. هذه التحولات لن تكتمل إلا إذا واكبها وعي تربوي جديد، يجعل من التشجيع ثقافة، ومن الدعم النفسي أولوية، ومن بناء الإنسان هدفًا أسمى للتعليم، سواء على مستوى المؤسسات أو الأفراد.
فالتعليم الذي يُشجّع لا يُخرّج فقط متعلمين ناجحين، بل يُكوّن مواطنين أحرارًا، واثقين، قادرين على المساهمة في بناء مغرب أكثر وعيًا، وأكثر إنصافًا، وأكثر إنسانية.

* أستاذة التعليم الثانوي التأهيلي – المغرب

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

رأيان حول “رأي: النجاح الهش…

  1. صدقت أيتها الأستاذة الفاضلة بين التشجيع والتجريح شعرة واحدة نكسب فيها إنسانا أو نحطمه للأبد .وهذه احد عوامل الهدر المدرسي والرهاب الاجتماعي والنفور من المدرسة …ومع جيل هش نفسيا يجب إعادة النظر في الوسائل التقييم والتحفيز والدعم النفسي والبيداغوجي لمواكبة التغيرات والطفرة التي وقعت في شخصية هذا الجيل.

  2. اصبت كبد الحقيقة استاذتي الفاضلة . ان بين التشجيع والتجريح شعرة واحدة إما ان ترفع قدر المتعلم وتعلي من شأنه وأما ان تدمره وتجعله يعاني مدى الحياة . وفي ظل الطفرة النفسية للمراهقين اليوم بسبب عوامل متعددة يجب إعادة النظر في طرق التحفييز والتقويم للنهوض بواقع التعليم ومسايرة التطور الحاصل في المجتمع المغربي اليوم

التعليقات مغلقة.