كابوسُ الحقيقةِ المرعب

كابوسُ الحقيقةِ المرعب

قصة قصيرة:

عبد اللطيف سرحان

نمتُ البارحة على نشوتَيْنِ : نشوةُ انتصارِ الفريق المغربيِّ على الفريق الكاميرونيِّ، ونشوة أُكلة شهيةٍ أعَدتها زوجتي الكريمة، – بارك الله لها في صحتها – . و في الصباح استيقظتُ على ترانيمِ السيدة فيروز ، صاحبة الصوت الملائكي . ثم تناولتُ وجبةَ الفطور على صوت الفنانة سميرة توفيق و هي تُردد ” بالله صَبوها الڨهوة وزيدوها هيل ” ،ثم ركبتُ السيارةَ و قد ملأني النشاط والحبور المعزز بالحيوية…فذهبت كالعادة إلى عملي بغير مركب نقص المتقاعد… وفي طريقي لاحظتُ اخضِرارَ الارضِ ، و إطلالةَ الوردِ الْفوَّاحِ، وتمايُلَ الأغصان بكل رشاقة ، كما شاهدتُ الدوابَّ تختال في مِشيتِها نحو العشب
النافع … و بعد أربعين دقيقة ، وصلتُ الى مدخل مدينة “حد السوالم ” التي تستقبل المُقبلينَ عليها بخط عربيٍّ جميلٍ و قد جمَّلَ لوحةً منتصبة على الجانب الأيمن من الطريق و هي المرصعةٌ بنقش الزليج البلدي المنقوش ذي التطريز بعبارة “*مدينة السوالم ترحب بكم*”
لم أصدقْ عينيَّ وأنا أقود كاسحةَ الألغام… عفوا سيارتي المتهالكة ، حيث كان الشرطيُّ يرسل ابتسامةً عريضةً، من أجل تسهيل انسيابية المرور و كأنه يقول لك “سوق على مهلك سوق بكرة الدنيا تروق “…
كانت كلُّ جنباتِ الشارع الطويلِ مزينةً بالأشجار، وكلُّ مداراتِها بوسطها شلالاتٌ تنبع منها المياهُ الدافقةُ المرتفعة نحو السماء، والمنحنية في اتجاه الأرض بالكثير من التواضع والدلال، وكم كانت دهشتي كبيرةً عندما وصلتُ إلى مركز المدينة، أي المنطقة التي كانت تسمى ب【الثلاثين】/ (الكيلومتر 30) على بعد مدينة الدار البيضاء، والتي اشتهرت ب“الشواية “وما ادراك ما “الشواية ” التي تستقبل الزبناءَ الآتينَ إليها من كل حدب وصوب وتحتضنهم بعد أن تَزكم أنوفَهم رائحةُ علف الساحل، إلا أن هذه المرة تغيرت ملامحُ المدينة التي خصصت بنايةً كبيرة تجمع بين الأصالة والمعاصرة هندسةً خُصصت فقط للمطاعم لتستمرَّ الشوايةُ في بعث دخانها بكل سخاء معبرةً عن انتصار وانتفاخ البطون الكبيرة المفتوحة الشهية، وهنا يحق لنا القول بأن دخان مُجمع هذه المطاعم لم يعد رماديا شاحبا – كما كان من قبل – بل صار عبارة عن مزيجَ بين كلِّ الألوان : الأصفر والأحمر والأخضر ثم الأزرق والأبيض ، وهو مادفعني للسؤال عن سر هذه الألوان التي أصبحت تشكل لوحةً تشكيلية قد يعجز عن رسمها أشهرُ التشكيليِّينَ ، فكان الْجوابُ الذي تلقيته من بعض ذوي الاختصاص :
انه الفحمُ الصينيُّ !… فانظروا يا اخوتي قبل أن يأتي المطر، كيف أن هذا التنين العملاق، المسمى” الصينَ ” قد هيمن على بيوتِنا وسياراتِنا وهواتفِنا ، وتحكم في أدويتنا وتغديتنا ، وحتى دخاننا لم ينفلت من سطوته، فرضخ المسكين لسحابة تغيير اللون والشكل ؟؟!!
لقد أصبحت مدينة 【السوالم】 جميلةً تضاهي العديد من المدن المغربية الكبرى. وأصبحت تتوفر على عدد مهم من العيادات والمستشفيات سواء التي تعالج البشر أو البقر. وتم بناءُ مركز كبير للاعتناء بالقطط، والكلاب الضالة. وتضم جميعَ التخصصات، و لم يعد مرضى السوالم في حاجة الى خدمات مدينة الجديدة أو الدار البيضاء ، وضمت – كذلك – عددا من دور الشباب والمراكز الثقافية، والمعاهد الموسيقية، وملاعب الݣولف وكرة المضرب وكرة الطائرة وغيرها كثير …. وأصبحت المدينة تتوفر على حديقة بمواصفات انجليزية، من حيث وضعُ الاشجارِ المتنوعة والورود الزاهية الألوان، وفي وسط الحديقة وُضِعت عدةُ تماثيلَ لأهم الشخصيات الفكريه والثقافيه من أبناء المدينة، ومن بين تلك التماثيل منحوتات لكل مؤسسي المدارس الحرة الذين سبقوا ” كريستوف كولومبوس” فاكتشفوا السوالم، حيث كانت المغامرة والمثابرة، وهو ما يلزمنا بالتساؤل : الا يستحق هؤلاء المديرون والمديرات بطاقة مقاوم ومنحة ملازم ؟! اعتبارا لنضالهم من أجل توفير مقعد للطفل السوالمي وبالتالي الطفل المغربي في غياب كل الشروط الموضوعية، وفي غياب كل تحفيز أو تشجيع أو على الأقل نيل الاعتراف بالمجهود التربوي والتعليمي الذي قامت به هذه المدارس الخاصة ؟!
ونظرا لتكاثرها، ارتأت الْمديريةُ الإقليمية للتعليم أن تخصص مكتبا لها بالمدينة لاعفاء أصحاب هذه المدارس من التنقل الى مدينة برشيد – الموقع الجغرافي للمديرية – عن طريق يسمونها فطاحلة السائقين : ب ” طريق الموت “. وهي المدينة التي كانت تضم بين جنباتها “ مستشفى المجانين” بل بقيت حضنا لكلُّ المجانين الفاقدي العقل، يجوبون كل أرجاء المدينة صباح مساء، ومعهم مجانين العقار عاشقي الاسمنت المسلح بكل عائداته.
وأنا في غمرة هذه اللحظة الجميلة غير مصدق لما أراه من جمالية العمران ونظافة المكان، اذا بيد تلامس كتفي، وأنا أسمع صوتا هاتفا يناديني: استيقظ استيقظ إنها الساعة السابعة صباحا …
ولكم لن تتصوروا وقْعَ الصدمة كم كان قويا، حيث توقف الحلم، وظهر كابوسُ الحقيقةِ المرعب…

مدينة حد السوالم
10/يناير/2025


Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com