الوليمة المؤجلة

قصة قصيرة
يطلع الصباح على البيت فيجد كل شيء في مكانه كأنه لم ينم. ضوء خفيف يتسرب من النافذة، يمر على البلاط ثم يستقر عند باب المطبخ. رائحة الأمس ما تزال عالقة: بصل مفروم، ماء آسن في قاع الدلو، وصابون لا يكفي لمحو ما تراكم. في الركن دلو صدئ، وعلى الطاولة سكين موضوعة بعناية، لا لمعان فيها ولا زينة، وإلى جوارها ملح قليل، كأن الحاجة تعرف مقدارها ولا تزيد.
خارج الجدران يطول نعاس الحي، وتبقى الأصوات متقطعة: باب يغلق، نداء بعيد، خطى تمر ثم تختفي. أما في الداخل فهناك موعد قائم لا يحتاج إلى إعلان. الحركة قليلة لكنها مقصودة، والكلام أشد قلة. كل واحد يؤدي ما عليه ثم يبتعد، وتلتقي العيون لحظة ثم تهرب، لا خوفا من شيء مجهول، بل حياء من شيء معروف.
الجدية معدة لليوم الكبير، ولا غرابة في ذلك. لحم يؤجل ساعات قليلة حتى تكتمل صورة العادة. الساعة لم تتجاوز التاسعة صباحا، والبيت، بفقره الصبور، يريد أن يبدو لائقا أمام ضيف لا يأتي إلا في أسماء: عيد، وليمة، بركة. هكذا يلبس الجوع قميصا نظيفا، ويمر من بين الناس كأنه حق طبيعي.
من سطح إلى سطح اشتدت المطاردة. أبي يقفز بحذر، يثبت قدميه، ثم يقفز. كان يتصرف كما لو أنه عاد شابا، أو كأنه يريد أن يثبت لنفسه شيئا لا يعرفه. وأنا أتبعه وأشعر أنني داخل فيلم قديم، لكن رائحته رائحة حقيقية، وأقدامه على الإسمنت تقول إن الأمر ليس تمثيلا.
في منتصف القفزات وقفت الجدية عند حافة سطح عال. المدينة تحتها كتلة من أسلاك ومعادن وأصوات بعيدة. توقفت لحظة قصيرة. ليس فيها بطولة، لكن فيها شيء يشبه التفكير. رفعت رأسها إلى الهواء، كأنها تستنشق شيئا جديدا. في تلك اللحظة تجمد أبي، وتباطأت خطواتي، وسكتت ضحكة أخي.
قال أبي وهو يمد يده بحذر:
— تعالي… تعالي يا مباركة.
قبل أن تتحرك من جديد سمعنا صوتا هادئا من خلفنا:
— لا تسرعوا… السطح لا يحب من يركض فوقه.
التفتنا. كان شيخ نحيل يجلس قرب مدخنة قديمة. يلف كتفيه بمعطف رمادي، وعيناه ثابتتان على نحو يزعج. لم يكن من أهل العمارة، على الأقل لم أره من قبل. وجوده على السطح بدا طبيعيا كأن الأسطح تملك سكانا لا نعرفهم.
قال أبي بحدة قصيرة:
— ابتعد يا عم… هذه جديتنا.
ابتسم الشيخ ابتسامة لا تضحك ولا تغضب.
— كل ما يمشي على أربعة أرجل يظن الناس أنه لهم. ثم يجيء يوم يكتشفون أن “لهم” كلمة ضعيفة.
لم أفهم ما يريد، لكنني شعرت بشيء يشبه الغضب. ربما لأن كلامه وضع يده على شيء فينا لا نحب أن نراه. في تلك اللحظة قفزت الجدية إلى سطح آخر، فانطلق أبي خلفها دون رد، كأن الحوار مضيعة للوقت.
استمرت المطاردة. رائحة الغسيل المبلل، ونباح كلب بعيد، وصوت قطار يمر قرب الحي. كان كل شيء يجري في العادة، إلا نحن. كنت أرى المدينة كما لو أنها وعاء كبير ونحن نقط صغيرة تتحرك على حافته.
في أحد الأسطح تعثرت الجدية فجأة. توقفت، وارتعش جسدها، ثم جلست على ركبتيها كما لو أن الأرض أمسكتها من قدمها. اقترب أبي بحذر. اقتربت أنا أيضا. كان الصمت في تلك اللحظة أثقل من الهواء.
حين انحنيت لأمسك الحبل رأيت حركة غريبة تحت بطنها، ارتجافة لا تشبه التعب وحده. ثم سمعت صوتا خافتا، ليس ثغاء، بل أنينا مكتوما. بدا كأن جسدها يتكلم أخيرا بعد صمت طويل.
قال الشيخ، وكان قد لحق بنا دون أن نشعر:
— الحياة أحيانا تفاوض في آخر لحظة.
ثم نظر إلى الجدية وقال بهدوء:
— إنها تلد.
وقعت الكلمة في المكان مثل حجر. تلد هنا، فوق سطح بيت فقير، بين مطاردة ونية ذبح. تراجعت يد أبي خطوة. رأيت في عينيه شيئا لم أره من قبل: حيرة صريحة. رجل يعرف طقوس العيد، لكنه لم يحسب حساب ولادة على السطح.
بدأت الجدية تتلوى. ظهر العرق على جلدها الداكن. شدت أسنانها على الفراغ، لا صراخ ولا استغاثة، فقط ألم يؤدي عمله. كنت أراقبها وأنا أشعر أن شيئا ما في داخلي ينكسر. ربما لأن الولادة، في لحظتها الأولى، تبدو كأنها تفضح كل شيء: السكين، العادة، والضيق الذي نسميه قدرا.
سمعنا صرخة من أسفل الدرج. كانت أختي الصغيرة قد صعدت رغم منع أمي. كانت تحمل في يدها قطعة خبز، كأنها جاءت لتشارك بما تملك.
صرخت وهي تقترب:
— بابا! لا… لا تذبحوها! انظروا… إنها تخرج صغيرا!
ثم حدث كل شيء بسرعة لا تصدق. خرج الصغير إلى الأرض مبللا ومرتجفا. تحرك قليلا ثم توقف كأنه يبحث عن معنى قبل أن يبحث عن الهواء. ركعت أختي قربه، غطته بطرف فستانها، وبكت بكاء واضحا لا يعرف الفلسفة.
وقف أبي طويلا، ثم قال بصوت منخفض:
— أنزلوها… أنزلوهما.
نزلنا بالجدية وصغيرها إلى المطبخ. كان النزول أشبه بإنزال سر لا يريد أحد أن يراه. حين دخلنا تغيرت رائحة المكان. صار في الهواء شيء جديد: رائحة ولادة، ورائحة خوف، ورائحة قرار لم ينضج.
في الأيام التي تلت تبدلت الكلمات. لم تعد الجدية “ذبيحة” كما كانت، بل صارت “أم”. أختي أطلقت عليها اسما بسرعة، كأن الاسم يحمي: “نجمة”. كانت تعود من المدرسة فتلقي محفظتها وتدخل المطبخ راكضة:
— نجمة… هل أكلت؟ هل شربت؟ هل نام صغيرك؟
الجدية لم تكن تفهم شيئا من هذا. كانت تمارس الحياة كما تمارسها المخلوقات التي لا تعرف الحكايات. تأكل فتات الخضار، تشرب من الدلو، تلتفت فجأة إذا سمعت صوت السكين على لوح التقطيع، ثم تهدأ. لا امتنان ولا حقد. مجرد جسد يعيش.
أما أبي فكان يمر بجانبها أحيانا ويتوقف ثانية، يرفع يده ثم ينزلها، كأنه يريد أن يربت على رأسها ثم يخجل من نفسه. مرة قال وهو ينظر إلى الصغير:
عجيب… خرج على السطح.
لم تجبه أمي. كانت مشغولة بالخبز وبالحسابات. الحسابات عند أمي لا تنتهي. هي تعرف أن الرحمة وحدها لا تطعم أحدا، لكنها لا تقول ذلك، لأنها تعرف أن القول يزيد الوجع.
في الليل، حين يهدأ البيت، كنت أفكر. كنت أرى في الجدية شيئا يشبه حياتنا: هرب قصير، وولادة تؤجل السكين، ثم عودة إلى ركن المطبخ. وكنت أسأل نفسي من غير صوت: هل النجاة حادث؟ أم أنها مجرد تأجيل؟
مرت أسابيع. خف ضجيج القصة في الحي. الناس ينسون بسرعة. العادة لا تحب من يطيل الوقوف. صارت الجدية جزءا من البيت، كأنها كرسي إضافي. حتى أختي بدأت تقل زياراتها. الملل يزحف حتى على المعجزات الصغيرة.
في مساء خريفي وجدت أبي جالسا وحده في الغرفة يصلح حذاءه المهترئ. كان ينحني على الحذاء كما ينحني على عمره. سألته بهدوء:
— هل ستبقى؟
لم يقل: من؟ لأنه فهم. رفع رأسه ببطء وقال:
— يا ولدي… نحن لا نملك رفاهية أن نكون طيبين طوال الوقت.
ثم أضاف وهو ينظر إلى فراغ بعيد:
— صاحب الدين لا يفهم قصة ولادة على السطح.
كانت الجملة بسيطة، لكنها أغلقت في صدري بابا. لم أنم تلك الليلة. في الفجر سمعت حركة في المطبخ: خطوات خفيفة، همس، وباب يفتح بحذر. نهضت ووقفت في الممر. رأيت أبي يحمل الحبل ويقود الجدية خارج البيت. الصغير مربوط معها بحبل آخر، يتعثر ثم يقوم، كأنه يتعلم العالم وهو يساق إليه. أمي خلفهما، تمسك بطرف شالها، لا تبكي ولا تبتسم. وجهها متعب، يعرف أن الحياة لا تعتذر.
همست:
— إلى أين؟
لم يلتفت أبي. قال من دون أن ينظر إلي:
— إلى السوق… سنبيعها. ونشتري شيئا آخر… شيئا لا يلد في اللحظة الخطأ.
لم أستطع أن أقول شيئا. خرجت وراءهم. الحي كان ما يزال نصف نائم. قطط تفتش في أكياس القمامة. رجل يكنس أمام دكانه. كل شيء عادي، إلا نحن.
عند زاوية الزقاق رأيت الشيخ نفسه. كان واقفا كأنه يعرف الطريق. نظر إلى أبي وقال بهدوء:
— قلت لك… “لهم” كلمة ضعيفة.
توقف أبي. التفت إليه بعينين فيهما غضب واستسلام.
— وماذا تريد؟ أن أطعم الدين فلسفة؟
ضحك الشيخ ضحكة قصيرة ثم قال:
— لا… أطعم قلبك الحقيقة فقط. الحقيقة لا تشبع، لكنها تمنع الإنسان من أن يصدق كذبه إلى النهاية.
لم يرد أبي. شد الحبل ومضى. ومضينا.
في السوق كانت الأصوات تتعارك. باعة ينادون، أطفال يركضون، سكاكين تشحذ، وذباب لا يمل. وقف أبي عند رجل سمين يقلب سبحة في يده ويقيس الأشياء بعين لا تخطئ الربح. بدأ التفاوض. الكلمات كانت تقذف كالحجارة: “هذه ولدت… هذه تصلح… هذه لا تصلح…” وأنا كنت أراقب الجدية. لم تكن تنظر إلى أحد. كانت تحدق في فراغ بعيد، وفي عينها نفس المسافة القديمة.
اقتربت منها ومددت يدي إلى جبينها. لم تتراجع. شعرت بحرارتها تحت الجلد. همست من غير أن أسمع نفسي:
— لو كنت تفهمين… لقلت لك: لا تركضي. السطح ليس سماء. والسوق ليس أرضا.
رفعت رأسها نحوي لحظة واحدة. لا رجاء ولا عتاب. حياد الطبيعة.
سمعت صوت أختي من خلفي. كانت قد لحقت بنا. وجهها مبلل بالبكاء.
— لا تبيعوها! إنها نجمة! إنها أم!
التفت الناس. ضحك بعضهم. قال آخرون: “دعوا الطفلة.” أما أبي فانحنى عليها وربت على رأسها وقال بصوت حاول أن يكون حنونا:
— يا بنتي… النجوم في السماء، وليست في مطابخ الفقراء.
ثم عاد إلى الرجل السمين وأكمل حديثه.
ظهر رجل نحيل من طرف السوق. نظر إلى الجدية وصغيرها، ثم قال لأبي:
— أنا آخذها.
رفع أبي حاجبيه:
— للذبح؟
قال الرجل:
— لا. عندي ولد في القرية. يحب الجدي. وعندي مكان.
سكت أبي لحظة. في تلك اللحظة أحسست أن ثمة شقا صغيرا في جدار الضرورة. لكن الضرورة تعرف كيف ترمم نفسها بسرعة. قال أبي:
السعر.
انتهى الأمر كما تنتهي أمور كثيرة: بيد تمد، ويد تأخذ، وحبل ينتقل. لم يقل أحد وداعا. في هذه الأماكن لا أحد يودع لأنه يعرف أن الوداع رفاهية.
وقبل أن يبتعد الرجل، توقفت الجدية فجأة. استدارت نحو الزقاق المؤدي إلى بيتنا. شدت الحبل قليلا، وثغت ثغاء خافتا، ثم التفتت إلي. لم أعرف إن كان ذلك سلاما أم صدفة. الصغير تعثر خلفها ثم لحق.
رجعنا في صمت. أمي تمشي أمامنا، وفي يدها خبز ساخن. البخار يصعد منه في خط رفيع، ثم يتبدد. أختي تشد يدي، وتقول كمن يثبت شيئا لنفسه:
— لن أنسى… لن أنسى
في الليل فتحت النافذة المطلة على الأسطح. كانت المدينة ساكنة على غير عادتها. مدخنة قديمة، حبل غسيل يتأرجح، وظل لا أدري إن كان لقط أو لذكرى. خيل إلي أنني أسمع ثغاء بعيدا، يأتي من مكان لا يرى: من قرية ربما، أو من سوق آخر، أو من داخل رأسي.
وقفت طويلا. لم أسأل: هل نجت الجدية؟ لأن السؤال نفسه بدا غريبا. النجاة عندنا ليست بابا مفتوحا، بل ممر ضيق. وما يحدث في الممر لا يراه أحد إلا من مر به.
ثم خطر لي أن النزول الذي حدث على السطح يومها لم يكن نزول الجدية وحدها. كان نزولا لنا جميعا، نزولا مبكرا من وهم بسيط: أن القلب يكفي، وأن العادة يمكن أن تضع السكين ثم تتراجع.
أغلقت النافذة. بقي الصوت في رأسي لحظة ثم خفت. وعرفت أن بعض الحكايات لا تنتهي، بل تغير مكانها فقط.
12/01/26 ألمانيا
