حينما تصغي السنين…
صمت لا يعادي الكلمة
كلام للبدء :

في الرابع عشر يناير من كل عام أستقبل عامي الجديد، فلا أجدني ملزما بكتابة هذه الصفحات، تحت دافع السنين ولا اعتبارا لأنها تأتي من باب التوقف لجرد ما مضى من الذكريات، ولا حتى بحثا عن أي معنى قد يكون متأخرا لما يمكن أن يستعاد . وإنما يدفعني لهذا التوقف / الكتابة هنا والآن ذاك الاحساس الهادئ والعميق، بأن الزمن كلما تقدم لا يطلب منا أن نقول أكثر أو نعبر أقل بل أن نصغي أفضل، ولا أن نكثر من الشرح بل أن نجيد التوقف لنحسن الفهم .
وعليه فإن هذا الدفتر – الذي أنا بصدد فتح صفحاته – لا ينتمي الى السيرة الذاتية بمعناها التقليدي ولا إلى كتابة الاعتراف ولا حتى إلى أدب الوصايا. بل هو أقرب الى وقفات تأملية خطرت لي وأنا ببلاد الأندلس – التي حللت بها للاستمتاع – خاصة وأني أقف عند عتبة عمرية تسمح لي بالرؤية من مسافة قريبة من الذات …من التجربة… وحتى من اللغة نفسها . مسافة لا تُقْصِي لكنها تُنَقِّي ولا تلغي، وتحرص على اعادة الترتيب.
فبعد سبعة عقود ونيِّف من العيش في قلب العمل التربوي والتعليمي … الاهتمام بالشأن العام … الالتزام بالواجب الحقوقي والعلاقات الانسانية المتشابكة …التقلب في دنيا العمل الجمعوي والمجلاتي … قد يكتشف المرء أن كثيرا مما قيل، كان يمكن أن يقال بأقل مما قيل. وأن بعض الصمت كان أصدق من كل قول طويل، ويكتشف أن المعنى لا يسكن في كثرة الكلام، بل في ضرورته. وأن التجربة حين تنضج، تطلب من صاحبها أن يخفف من حمولته اللفظية لا أن يضاعفها، كما هو سائد عند الكثيرين.
ولذلك أجدني قد اخترت أن يكون الصمت أحد الخيوط الناظمة للدفتر الذي اعتزمت فتحه أمامكم، لا بوصفه انسحابا من الحياة أو تراجعا عن المواقف، بل باعتباره شكلا راقيا من أشكال الوعي. صمت لا يعادي الكلمة بل يحرسها … يوجهها، ولا يتهرب من دوامة السؤال، بل يمنحه وقته، ولا يخفى المعنى بل يتيح له أن يتكشف دون قسر. فالصمت في هذه المرحلة المتقدمة من العمر لم يعد نقصا، بل هو نتاج طبيعي لخبرة مكتسبة وفضيلة تمارس عن قناعة واقتناع لا عن عجز.
وبذلك يأتي هذا الدفتر في زمن يفيض بالكلام ، ويعاني في المقابل من فقر في الإصغاء. زمن تُستهلك فيه الكلمات بسرعة وتفقد قدرتها على الاقتناع والتأثير ، لأنها لا تقال قبل أن تفهم وتُتَداول قبل أن تُمحص. لذلك . لا تطمح هذه الكتابة / التوقف لاضافة صوت جديد الى أنشودة الضجيج، بقدر ما تسعى الى استعادة علاقة أكثر انسجاما مع اللغة وأكثر تواضعا مع الحقيقة. ومن خلاله – التوقف – يجاور الصمت الذاكرة، لا لاستدعاء النوستالجيا والحنين، بل لانصاف التجربة وعقلنتها ، ويحضر خلاله العمر لا بوصفه عبئا أو امتيازا بل لكونه انتقالا طبيعيا من كثافة الفعل، الى كثافة المعنى. ويستحضر العلاقات والاختيارات، لا بروح المحاكمة أو التبرير أو التشفي، بل بروح الفهم والمصالحة مع الذات أولا وأخيرا. وخلال كل ذلك يكون الكلام مسؤولية أخلاقية، ويغدو الصمت النقدي أحيانا أبلغ بكثير من أي تصريح مستعجل . وبالتالي لا ولن يتجه هذا الدفتر التواصلي الى الماضي وحده، بل أحس على أنه ينفتح بوعي متواضع على ما تبقى من أعوام العمر ، باعتبارها سنوات لا تستقبل بوهم الوعد الكبير، ولا بخوف النهايات، بل برغبة صادقة في أن تعاش ببطء وبانتباه وبحضور أكثر صفاء، وأمل أوسع في أن الغد سيكون أحسن بكثير .
فالحياة حين تضيق مسافتها الزمنية، تتسع امكانياتها الوجودية، شريطة أن نحسن الإصغاء الى ما قاله العمر وتقوله السنين .
وأخيرا فهذا الدفتر ليس خاتمة مسار، بل هو إعادة ضبط لايقاعاته . وليس اعلان حكمة، بل اعتراف بأن الحكمة ان وجدت فهي غالبا ما تسكن بين الأسطر … أو في صمت قصير بعد آخر كلمة يمكن أن تقال، لأن ماتبقى من العمر لا يسمح بأي استعجال، بقدر ما يحتاج الى الانصات والتأني.
[ يتبع ]
مدينة Malaga
14 يناير 2026
