قصة قصيرة: السير نحو القدر

ذات العاشر من غشت من سنة ما…وجدت والدي بعد ان استيقظت متهالكا، واقفا في وسط الدار منتصبا كأبي الهول… والدتي كانت في المطبخ تتصنع تنظيف الاواني التى تكدست ليلة البارحة… سمعها كان ممتدا الى حيث يقف والدي … اسمع الكيدار، لقرايا مابغيتي دقرا، ما بغيتي دخدم… واش وصلتي ثلاثين عام ونا باقي خدام عليك… عطيني تساع وهاد الدار ما باقيش دخولها… حدجت والدي بكل ما راكمته من حقد تجاهه…
عدت الى غرفتي كدست بعض الملابس في حقيبتي الرياضية، تمنطقتها وهممت بالمغادرة… توسلت والدتي والدي ما استطاعت وهي تقاوم دموعها… يأست … دست في كفي وريقات نقدية واستسلمت لجبروت والدي… قد يكون رمقها وتغافل عن فعلتها…كنت شابا رياضيا انيق المظهر والقوام…. بعد ساعة من التسكع في جوار حينا شارد الفكر، تائه بلا هدف… امتطيت الحافلة المتجهة الى المحطة الطرقية… تقدمت الى كيشي حجز التذاكر. لم اكن قد حددت الوجهة… قال المستخدم : الحافلة ستنطلق الساعة العاشرة ليلا…
– كم التذكرة…
– بكذا… اخرجت الورقات النقدية من جيب الجينز عددتها… كانت تفي بثمن التذكرة ويفيض….
الساعة السادسة صباحا وصلت الحافلة الى المدينة الساحلية… غادرت المحطة بلا اتجاه … تبعت سربا من البشر في اتجاه المدينة القديمة… مقهى شعبي متخصص في البيصارة … دلفته طلبت صحنا وكأس شاي … كان رواد المحل من الطبقات البئيسة، باد عليهم الضنك من العمال المياومين والبحارة… حل الليل بعد تطواف سيزيفي … قصدت حديقة عمومية مأوى المتشردين والمدمنين على الكحول الحرقة … توسدت محفظتي الرياضية واستلقيت كالذئب حذرا متيقضا… شخص يبدو مختلفا مثلي عن ساكني الحديقة استلقى الى جواري…
صباحا وبعد التهام صحن البيصارة رافقته الى الموقف… حيث يصطف الصناع والمياومين… كنت اتفقت معه ان ارافقه اذا ما جاد الحظ عليه بعمل ما… كان معلم زلايجي آت من بعيد مثلي…
كاد النهار ينتصف حين ركنت سيدة مكتنزة فارهة الطول بيضاء كقطعة ثلج، سيارتها … تقدمت الى المعلم عبد المولى..
– اريد شخصين او ثلاثة لنقل الاثاث الى منزلي الجديد…
قال لها المعلم:
– ها أنا وصديقي ولا اضمن لك أحدا آخر…
رافقنا السيدة…. كان مطلوب منا ان نشحن الاثاث من سكنها القديم ونفرغه في سكنها الجديد الذي هو عبارة عن فيلا متوسطة الحجم في حي شبه راقي… دامت العملية اسبوعا كاملا… كانت السيدة تختلس من حين لآخر النظر الى جسمي الرياضي وقوامي الرشيق …
عدت بعدها الى التشرد، كاد المال الذي جنيته لقاء حمل الاثقال ان ينفذ… ذات عصر وانا اتسكع في شوارع المدينة بعلب الكلينيكس… اذ بصوت انثوي رخيم يناديني: – عبد الغفور، عبد الغفور… كانت تلك السيدة البيضاء كقطعة ثلج…
دعتني الى صعود سيارتها ، ترددت ، الحت ، فركبت الى جانبها … قادتني الى مطعم فاخر … اكلت اصنافا من الطعام لم اتذوقها في حياتي البائسة… اصبحت عشيقا للسيدة… اغرقتني في نعيم جسدها وجنة ترفها… اصبحت يدها اليمنى دون ان أعرف بالضبط مصدر ثروتها غير المطعم الفاخر… ذات ليل ماجن وصاخب بالشهوة والخمر… قالت لي السيدة بعد ان تأكدت من سيطرتها على عقلي ووجداني…
قل لي عبد الغفور ، اذا طلبت منك خدمة، هل تستطيع اسداءها لي… قلت بلا تردد … ولو كانت في النار…، قالت وهي تلاعب بسبابتها شفتاي، ولو كان القتل… انتفضت مبحلقا فيها … القتل… لا لا… حتى القتل الا…
قالت بنوع من الثقة ومن قال لك انك ستقتل… تأملتها بحذر، وقلت لها وكيف سيكون القتل بلا قتل… قالت سيكون قضاء وقدرا…
ذات فجر تسللت الى فيلا السعدوني … في الكراج كانت تربض سيارته المرسيدس المفضلة… قطعت انبوب الفرامل…
ظهيرة ذلك اليوم تواترت أنباء عن مقتل السعدوني شريك عشوشة في تجارة الحشيش في حادث سير مروع….
كانت الساعة الواحدة حين اخبرني احد حراس السجن بالزيارة… كان والدي بعد مرور سنة على حبسي…. تأملته كانت الدموع متحجرة في مقلتيه… تأملته…
عادت الى ذاكرتي صورته وهو منتصب كأبي الهول…
وليته ظهري وعدت للزنزانة….
