قراءة لغوية نفسية في ديوان “أنثى الحنين” للشاعرة منار السماك

قراءة لغوية نفسية في ديوان  “أنثى الحنين” للشاعرة منار السماك

واقع مرير ، وحلم مستحيل…

قراءة نقدية:

هي رحلة عبر محطات الحياة، منها محطات عابسة، ومنها محطات مُستبشرة، المحطات العابسات أكثُر من المحطات المُستبشرات، تجدُ نفسك وأنت تصحب الشاعرة في هذه الرحلة تتألم لألمها، وتبتهجُ لبهجتها، وكما هي تتعايش مع هذه الآلام، تجد نفسك تتعايش معها هذه الآلام، إنها تقود القارئ معها أينما حلّتْ، وارتحلتْ بسحرِ الكلمات، وغرابةِ التخيلات، ودهشةِ المفارقات.

ربما ترى نفسك في الكثير من نصوص هذا الكتاب، كأنها تقصدُك، كأنها تخاطبُك، كأنها تتحدثُ عنك، وإليك، فلا تشعر بالغرابة، ولا بالغربة وأنت تتصفحُه، وكلما عزمتَ على التوقف نادتك نصوصٌ أخرى، فتظل تلهثُ معها من صفحةٍ إلى أخرى، و تنسى أنْ تتوقف لالتقاط  أنفاسِك.

إنها منارُ السماك ساحرةُ الألم… والأمل.

              الشاعرة البحرينية منار السماك

ها هي تستدرجكَ، وتستدرجُ حنينك إلى حبيبٍ فقدتَه ذاتَ يومٍ، فتقرأ في الصفحة الثانية والستين، النص:

(لون الغياب )

حين رحلوا

تحولَ الزمانُ إلى صدأ

يسكنُ العروق

وغابَ الصوت

داخلَ صدري

كأنه نهرٌ جَفَّ

قبلَ أن يصلَ البحر

أبي

صمتُه صار طيفاً يتلوى بين

كتبِ الغياب

يحملُ رائحةَ الأرض

 بعدَ المطر

لكنني لا أراه

أمّي

تركتْ خلفها صمتاً

كالزجاجِ المكسور

يدقُّ في عروقي

يُفقدني القدرةَ على النطق

كأنني غريبٌ في بلادٍ مُتلاشية

هل شاركَ القارئُ الشاعرةَ حزنَها لفقدِ الأب، ثم الأم؟ كيف أثارت الشاعرةُ إحساسات القارئ؟

استخدمت الشاعرة ( الصوت واللون والحركة والصورة البيانية)؛ لتشركَ القارئ في حزنها ووجعها ويتمِها، فَمنذُ يطالعنا عنوانُ النص نجدُ أنفسنا مُقبلين على حالة من (الحِداد)، فنجد الصوت المُزْعج في الكلمات (الزجاج المكسور ـ يدق) واللون الأسود والدموي في الكلمات (صدأ ـ العروق) والحركة ما بين المتوسطة والعنيفة في الكلمات (رحلوا ـ يسكن ـ نهر ـ البحرـ يتلوى )، ونجد الانزياح التركيبي في: ( حين رحلوا)، فقدمت الظرف الدال على الوقت (حينَ) على الفعل (رحلوا) لإظهار ألمِ وقسوةِ الوقت عليها الذي تمّ فيه الرحيل،  كما نلحظ الصورة البيانية ( الانزياح الدلالي) بتشخيص المعنوي  في  صورة حسية  في التركيب ( الزمان يسكن العروق)، وكذا تشبيه (الصوت بالنهر الذي جفَّ ولم يصل إلى المصب)؛ لتبرز موت هذا الصوت )، وتشبيه الصمت (بالزجاج المكسور)، وهنا نلحظ في التركيب إبداعاً، فجمعتْ بين الصمت الذي يعني السكون والكسر الذي يعني الضجيج، وتقصد الصمت الذي يحدث بعد الاضطراب الذي يحدثه التكسر من ضوضاء .

وعندما تعمق الشاعرة الإحساس بقسوة الزمان، وملازمة الحزن لها تختار الفعل: ( يسكن) الذي يدل على الإقامة والتوطن، فالحزن يسكنها ويلازمها، وكما جاء في القرآن:

و أنزلنا من السماءِ ماءً بِقَدَرٍ فأسكناه في الأرض” الآية الثامنةَ عشرة من سورة المؤمنون، وقوله تعالى” ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمةً” سورة الروم الآية الحاديةُ والعشرون، والمفارقة هنا أنّ الشاعرة يساكنها الحزن رغماً عنها، وليست المودة والرحمة.

وتزداد القسوة، فتصور الشاعرة  الزمان شيئاً صدئاً كريهاً يسكن في عروقها، ويجري منها مجرى الدم، ولا فِكاكَ منه.

لكنّ السؤال، منْ الذين رحلوا ؟

الإجابة :

إنّه الأبُ أولُ الراحلين، ثم الأم .

تقول عن الأب :

أبي صمتُه صارَ طيفاً يتلوى بين كتبِ الغياب.

وعن رحيل الأم تقول:

أمي تركتْ خلفها صمتاً

نلاحظ تكرار كلمة: ( الصمت) مع وفاة الأب والأم، فبعد أن كانت الحياة بوجودهما صخباً وحركة وحياة، صار الصمت هو الذي استوطن عروق جسدها، وإن كان الصمت أشد بعد موت الأب فقد صوّرَتْ  الصمت ( بطيف يتلوى كأنه أفعى).

وتستمر رحلة الحرمان في النص، وها هي تنعي جَدتها :

جَدتي تركتني أبحثُ عن وجهها في أضواءِ القمر..

ونلاحظ ربطَ الشاعرة وجه جدتها بالقمر؛ لتدللَ على مدى قسوة هذا الفقد، وجمال الوجه المفقود.

ولم يَلْبث أنْ غادرَ جدُها الحياة بعد جدتها، فتصرخ :

جَدي كان يَقُصّ لي قِصصاً عن عوالمَ لا تعرفها الأنفاس.

إذن هي الآن وحيدة حزينة مهمومة، مقطوعة الجذور، ولا مناص من البحث عَنْ شخصٍ يُمكنه أن يخففَ عنها هذا (الفقد)، فهل تجده؟

لنذهبْ إلى الصفحة الثالثةِ والثلاثين، ونقرأ من نص: (احببتك حلماً وكفى)

كلما اشتقتُ له /نظرتُ الماء/ ليس لأن وجهَه ينعكس /لأنّ الماء يعرِف الماء /حين كان يمرّ بي / أنظرُ إليه كمن يقرأ كتاباً بلا حروف / كنتُ أمدّ يدي للماء / لا لأشربَ / بل لأصافحُه / وإذا ارتجفَ سطحُه علمتُ أنه يشتاق أيضاً / ثم جاء أو لعلي / أنا الذي ذهبتُ /لا فرقَ فالمسافةُ كانتْ حُلماً“.

هي حالة حب، تُجَمّل فيها حبيبها، وترسم لنا صورة بهية له من خلال تشبيهه بالماء؛ لترمز إلى نقائه ( ليس لأن وجهَه ينعكس، لأن الماءَ يعرف الماء)، ومن خلال الانزياح الدلالي توضح لنا مدى تعلقها به حتى أنها تفقد التمييز عندما يمر أمامها، تقول الشاعرة : ( أنظرُ إليه كمن يقرأ كتاباُ بلا حروف)، وإذا تأخر عن موعده معها سارعتْ هي بالذهاب إليه ( أنا الذي ذهبتُ لا فرق)، وهي هنا تتشارك في جُرْأة اتخاذ القرار مع الشاعرة الأندلسية : حفصة بنت الحاج الركونية المتوفاة  في السنة السادسة والثمانين بعد المئة الخامسة من الهجرة 586 ، فعندما تأخر عليها حبيبُها أرسلت إليه تقول:

أزوركَ أم تزور فإنّ قلبي    إلى ما تشتهي أبداً يميل

نعودُ لمنار السماك  التي  تفاجئنا بأنّ ذلك لم يكن حقيقة، فتقول:

كان اللقاءُ رؤيا / نسجَها الشوقُ خيطاً خيطًا / وزينَها القلبُ بلآلئ ظنونِه

وحتى تجعل الشاعرةُ القارئَ لا يعتب عليها انسياقها وراء هذه الرؤيا حتى صدقتها، اختارت كلمة ( نسجَها)  دون غيرها من الكلمات التي تقاربها في المعنى، وذلك لما تحمله الكلمة من دلالات الإتقان والدقة ، فقد نسج الشوق، وحاك هذه الرؤيا بدأب وتمهل ( خيطاً خيطاً) ، واختارتْ صورة خيالية أخرى حينما جسّدت القلبَ على  صورة صائغ يُزيّن الرؤيا، ولا شكّ أن اختيار التزيين باللؤلؤ يناسب الحالة التي كانت عليها الشاعرة، فاكتملت الخديعة بعدما  شارك القلب بتزيين الرؤيا بظنون مثل اللآلئ في ابهارها.

لكنّ حالة ( الصّبابة) التي عليها الشاعرة  تدعوها إلى البحث عن الحبيب في مكان آخر غير سطح الماء.

لنذهب معها إلى الصفحة الخامسةِ والعشرين حيث عنوان النص: (تراتيل أنثى)، ونقرأ:

تصفحتُ أوراقَ الذكريات/ في دفتري القديم/ ففاحَ من بين الكلماتِ عطرُك الساحر/ كأنّ الحروفَ ما زالتْ تنبضُ بكَ /يهمسُ لي من خلفِ الحِبر/أنا هُنا  لا ترحلي /فأغلقَ عينيَّ وأراكَ/ ذُبْتُ فيكَ / كما تذوبُ القطرةُ في البحرِ/ صوتُ شهقةٍ بينَ العدمِ والخلود” .

في هذا المقطع من النص علينا أن نتلمس حال الشاعرة وهي تكتب، و هي تنظم كلماتها، وهي  تبث مشاعرها، وكي  نشعر بما كانت عليه لحظة الكتابة علينا أن نلجأ إلى ما  اسميه

(بلاغة القراءة)، بمعنى أن نتمثل مدلولات الكلمة وإيحاءاتها وظلالها الخفية، ونشعر بما شعرت به، ونتوقف عند بعض الكلمات هُنيهة أو هُنيهات كماتوقفتْ، ونسرع القراءة كما أسرعتْ، ونلهث معها عندما نشعر بأنّ الكاتبة تلهث من القلق أو الخوف أو الحزن، فمن حق الكاتب على القارئ أن يندهش لدهشته، ويقلق لقلقه، ويحن لحنينه، ويأمل لأمله، ويرجو ما يرجوه.

نعود للمقطع السابق، ونلحظُ تبدل الأسلوب، فمرة الحديث بصيغة الزمن الماضي ( تصفحتُ – فاحَ)، ومرة بصيغة الزمن الحاضر ( تنبض – يهمس) ثم بصيغة  الخطاب ( عطرُكَ – بكَ).

وسببُ ذلكَ أنّها تستحضره من أوراق ذكرياتها القديمة، فلمّا تمثل أمامها بشراً سويًا تخاطبه: ( ذُبْتُ فيكَ – كما تذوبُ القطرة في البحر)، وهنا نلحظ اختيار الكلمات التي تحمل ظلالَ شدة الهُيام، فهي لحبها له أصبحتْ في حضرته في غاية الطاعة والضعف، إنّه التماهي التام، فقد تلاشت فيه تماماً، فهي مجرد قطرة وهو البحر.

ويخاطبها الحبيبُ  كما تحكي الشاعرة ـ وكأنها تطلب تعاطف القارئ معها، فتصور لنا ما هي عليه ـ ، فتقول :

(يهمسُ لي من خلفِ الحبر، أنا هنا لا ترحلي).

انتقت الشاعرة كلمة (يهمس) لدلالاتها الحسية حيث يقتربُ فمُ الحبيب من أذن المحبوبة، ولدلالاتها المعنوية حيث الصوت المهموس الخفي الذي تطرب له النفس وتطمئن.

فماذا أحدث لها هذا الهمس؟

همسُه جعلها، اقتباس:  (صوتُ شهقةٍ بين العدم والخلود)، همسه بعثها من جديد، ودبّتْ فيها الحياة من العدم ، فقد (شَهَقَتْ)، وهذه الشهقة تُسمى في الطب شهقة الحياة، ويشهقها الجنينُ بعد نزوله من رحم أمه للدنيا بسبب استنشاقه الهواء. ويبدو أنَّ أثر هذا الهمس في أذنِ الشاعرة  فاق أثرَ عيون محبوبة المتنبي فيه عندما أنشد:

لو باتَ سهمٌ من الأعداءِ في كَبدي

                                                 ما نالَ مِني ما نالته عيناكِ

وما زالت الشاعرة تبحث عن حُلمها المفقود، لنذهب معها إلى الصفحة السادسةِ والخمسين بعد المئة حيث النص: (قلب يسكن زمنين)، فنسمعها تعترف:

أنا امرأةٌ يسكنُها رَجلٌ/ مِن حُلمٍ/ يُلامسُني حينَ يخبو الضوء/ ويتركُ على عُنقي أثرَ قُبلةٍ / لم تحدثْ/ لكنني أؤمنُ بها / كما أؤمنُ بالريح“.

وكما ذكرتُ آنفاً على القارئ أن يتمثل اللحظة حتى يشعر بشعور الكاتبة، فعليه أن يَقِف حين يَحْسُن الوقف، ويصل حين يحسن الوصل، ويتخيلها حتى يعايشها.

في هذا النص تتأرجح الشاعرة بين الشك واليقين، بين الحلم واليقظة، بين المُمكن والمستحيل، هي تستمتع بمعايشة الأضداد، فيقينها يتأكد بالجملة الاسمية (أنا امرأة يسكنها رجلٌ) وتردف الجملة الاسمية بجملتين فعليتين تفصِّل من خلالِهما ما يقوم به الحبيبُ (يتركُ على عُنقي أثرَ قبلة)، واختارت كلمة: (أثر)؛ لتوحيَ للقارئ أنّ ذلك حدث بالفعل، فهذا أثرُ قبلته على عنقي، وما دام قدْ  ترك أثراً، فالقبلة كانت حقيقة، لكنها تعود وتنفي، ثم تستدرك، فتجمع الأضداد في الجملة الثالثة المنفية: (لم تحدثْ، لكنني أؤمن بها). وفي جملة (لكنني أومن بها) على القارئ أن يتمثل هيئة الشاعرة وهي تحرك يديها في الهواء، وكأنها تطلب القسم على ما تقول، أو كأنها خَشِيت من شيءٍ ما، فتعود سريعاً؛ لتؤكد قناعتها بحدوث (الوهم) الذي تريد أن تعيشه ( لكنني أؤمنُ بحدوثِ القبلة، كما أؤمن بالريح).

الشاعرة في هذه النصوص لا تريد هذا العالم؛ لأنها منكسرة حزينة  قلقة، فهربتْ إلى الأحلام بدلا من الواقع الذي ترفضه. الشاعرة تقوقعت على نفسها فِكراً ولغةً، وعاشت في مملكة خاصةٍ من صنعها، وصنعت لنفسها لغة وصوراً تعايشتْ معها وبها ولها.

ما سبق كان حول أفكارها وأحلامها ، فماذا عن لغتها وأساليبها وأخيلتها ومعجمها اللغوي ؟

الشاعرة لجأت إلى تكرار بعض المفردات بوعيٍ أو بغير وعيٍ، ومن خلال هذا التكرار تركتْ أثراً انفعالياً لدى المتلقي، فجعلته يعيش معها حالات الانكسار النفسي والصمت والحلم، فنجدها كررت كلمة ( الانكسار) بمشتقاتها الاسمية والفعلية ستةً وعشرين مرةً، وكررت كلمة ( الصمت ) بمشتقاتها الاسمية والفعلية ثلاثةً وثلاثين مرةً، وكررت كلمة ( الحُلم) بمشتقاتها  الاسمية والفعلية ثلاثين مرة .

والأدب العالمي والعربي عرف التكرار وأضربه من حيث (الحرف أو الكلمة أو الجملة)، والتكرار ينشأ من حالة نفسية يمر بها المُبدع ناتجة عن انفعالات داخلية قاهرة يترجمها إلى لغة وأخيلة، ففي الأدب الغربي نقرأ قصيدة ( الأجراس) للكاتب الأمريكي الشهير: ( إدجار الآن بو ) نجده يكرر كلمة الأجراس مراتٍ كثيرةٍ ، وفي كل مرة تحمل الكلمة شحناتٍ انفعالية مغايرة.

وفي الأدب العربي نجد (مالكاً بن الريب) في مرثيته الشهيرة.

ألا ليت شعري ، هل أبيتنَّ ليلةً

                     بوادي الغضا أُزجي القلاصَ النواجيا

يكرر كلمة الغضا في  الأبيات الثلاثة الأولى ست مراتٍ، و في البيت الثالث وحده كررها ثلاثَ مراتٍ  حيث يقول :

لقد كانَ في أهل الغضا لو دنا الغضا

                 مَزارٌ ، ولكنَّ الغضا ليس دانيا

فالتكرار لا يكون عبثاً  في العمل الإبداعي، فهو انعكاس لحالات نفسية انفعالية يمر بها المبدع وينقلها إلى المتلقي.

أما ما يخص الأخيلة عند الشاعرة فهي أيضاً مبتكرة  ومتفردة، وتتوافق مع الحالة النفسية لها، فها هي تقول عن نفسها في الصفحة الخامسة ، اقتباس:

“أنثى تتلعثم حينَ تبتسم، وتصرخ حينَ تصمت”.

ومن المشاهدات في الحياة اليومية: أنّ التلعثم يكون مع الكلام ولا يكون مع الابتسام، والصراخ يكون مع الحديث ولا يكون مع الصمت.

وما زلنا معها نقرأ بعض الأخيلة: في نص (انتظار) الصفحة الرابعةَ عشرةَ بعد المئتين :

 الانتظارُ أصبحَ مِقصًا / يَقُصُّ أيامَ العُمر/ كأنّها قِماشٌ رخيص / من قَميصٍ قديم / لمْ يُفَصّلْ لأحدٍ “.

الشاعرةُ تعيشُ الحياةَ بروحِ الصّبايا، الصبايا  اللائي يحلُمْنَ بالفارس كامل الأوصاف الذي تتناوله القصص والحكايات والأساطير؛ لذلك فإنها على امتدادِ الديوان تبحث عنه، وها هي تعترف في الصفحة التاسعة والخمسين بعد المئة : اقتباس:

أحبُّكَ / ليس كما تُحِب النساءُ /  بل كما تُحب الأساطير مَنْ يكتبُها بغموضٍ / بِعَمى/ بدهشةٍ لا تُفْهَم” .

الشاعرة المحبة في هذه النصوص مختلفة ، احساساتها مختلفة، طريقةُ عِشقها مختلفة، مواصفاتها مختلفة، هي …هي ، لامثيل لها، ليست شبيهة بالأخريات، فهي الفريدة المتفردة، العاشقة والمعشوقة، الطالبة والمطلوبة .

إنّها منارُ السماك الأنثى الحالمة التي ترفضُ الاعتدال، وتلهثُ نحو الشطط، تأبى الإخفاءَ، وتركض نحو المُجاهرة، هي تحبُّ الحبَّ لذاته، وتعشقُ العشقَ لذاتهِ، هي تُحبُّ الحُلمَ؛ لأنه حُلمُها وحدها، وسوف تظلُ تَحْلُم، وتبحثُ عن ذلكَ المستحيلَ علّها تجدُه ذاتَ يومٍ، ما دامَ ( الجَوَى) هو رفيق فؤادِها.

رغم أنّ الشاعرةَ تنسابُ عندها الكلماتٌ، وتتوالى المعاني، وتتنوعُ الأخيلة، إلا أنَّ العملَ الأدبيَّ لا يخلو من بعضِ الهَنات  الهيّنات التي لا تقدحُ في جدارتِه، أو تقلل من فرادَتِه.

1- في نص  (تراتيل أنثى)  ورد قولُها:( يدي حين تمتدان إليك )، والصواب ( يداي) ، لأن مثنى ( يد) يدان وتحذف النون فقط عند الإضافة، فنقول: يداه، يداي، يداك.

2-  وفي نص ( الثوب الزَهْري) الصفحة  الثانيةَ عشرةَ بعد المئة  وردت كلمة ( موسيقى) بالألف المقصورة ، والصواب كتابتها بالألف القائمة، لأن كلمة موسيقا أعجمية وتزيد على ثلاثة أحرف، مثل كلمة يافا وحيفا وفرنسا وأمريكا، وإنْ كان مَجْمَع اللغة العربية بمصر أجاز الرسمين.

3- وردت في النصوص علامة الحذف بنقطتين فقط،(..) والصواب ثلاث نقاط(…)  كما كتبها العالم المُحقق المصري أحمد زكي، وهو أول من أدخل علامات الترقيم إلى اللغة العربية في كتابه : (الترقيم وعلاماته في اللغة العربية) في عام  1912م

4- في نص ( القصيدة التي أنجبته ) الصفحة الثالثة عشرة بعد المئة ، أفاضتْ علينا الشاعرة إحساساتها نحو شخصٍ ما، فشوقتنا لمعرفته، و بثّته حبّها وحنانها، ووصفتْ ملامحَه وصوتَه وضِحكتَه وصمتَه ومِشيتَه، ثم ختمت القصيدة بقولها: (كنتُ أكتب عن ابني)، فأفقدت القارئ متعةَ التخيل والتفسير والتأويل.

التحليل النفسي الأولي للشاعرة من خلال ما ورد في النصوص الشعرية.

1- تميلُ إلى العُزلة أغلب الأوقات، وتبحثُ عن أسبابِ ما يجري حولها، ولها، فتشعر بأنها ظُلِمَتْ، وأنها تستحق الأفضل.

2- الليل هو الوقت المفضل والأثير لديها، والنهار بالنسبة لها يحمل  المصاعب والمفاجآت.

3- تصفحُ عن المُخْطِئ، وتسامح بسهولة عمّن أساءَ إليها ، لكنها لا تنسى .

4- متأثرةٌ بشدة بقصص العشقِ التي سَمِعتها في طفولتِها، وتصدقها، ودوماُ تستعيدها.

5- تحلمُ  بالفارسِ الكاملِ الأوصاف ، وتنتظره، وعلى قناعة بأنه سيأتي ذات يومٍ.

6- سريعةُ البكاء حتى لوكان الأمرُ بسيطاً هيّناً .

7- تخافُ الأصواتَ العالية وخاصةَ أصواتَ تكسيرِ الأشياء .

8- إيمانُها قويٌ بالغيبياتِ حتى غيرَ المنطقية منها .

9- تستمعُ جيداً لمن يبثها أحزانه وهمومه، وتتعاطفُ معه .

10- تحنُّ إلى أيام الطفولة، وتشعر دوماً باليتم والوحدة، و  تتوق إلى العيش في المنازلِ القديمة .

11- الانعزالُ عن المحيطين بها تزدادٌ وتيرتُه مع مرورِ الأيام مِمّا يُشكلُ قلقاً عليها.

الناقد المصري : محمد ياسين خليل القطعاني

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com