في معنى العبور ..
“رسالة تأمل في توديع فصل الخريف”
1 حين يعلمنا الزمن كيف نُصْغِي
أحبتي يا من تقاسموني معنى الطريق ، قربا حينا وبعدا أحايين أخرى. ويا من رافقتم هذا العمر في فصوله ومنعطفاته. ويا من تقاسمتم معي المعنى حتى حين افترقت بنا الطرق. ونحن على مقربة من العام الميلادي الجديد، وأنا بمدينة “طنجة “أكثر مَيْلاً لاستقباله بالتأمل… بعد النظر … الإنصات … انصات بصمت لا ننتبه إليه ، إلا حين نلتفت إلى الدواخل وإلى ما تركه من جراح في الروح قبل الجسد … ولما نزعه منا من أوهام … وما أضافه لنا من حكم.
أحبتي لا يأتي هذ العام الجديد بوصفه رقما قد ينضاف إلى التقويم الميلادي، بل كمرآة صامتة نقف أمامها، نحدِّق فيها لنكتشف ملامحنا كيف صارت لا كما تمنيناها دائما. كعتبة وجودية تشدنا إليها، نفكر كثيرا، نتردد قليلا ثم نعبرها، عبورا لا يخلو من تخوف، لأن الزمن في جوهره، ليس ما يمر بنا فقط. بل ما يترك فينا أثره العميق، بصمت هادر قد لا ننتبه إليه.
فحين نهنئ بعضنا ببداية العام الجديد، فإننا في العمق نهنئ قدرتنا على الإستمرار … التجاوز … الترميم … النهوض دون ضجيج، نهنئ قلوبنا لأنها ما زالت قادرة على الحب رغم الخيبات، على الحلم رغم التعب، على منح الدفء في زمن صار فيه البرد إنسانيا قبل أن يكون مناخيا.
أحبتي ، هو ذا الزمن يمر سريعا وتنفلت أيامه من بين أصابعنا وكأنها فقاعات صابون عطر، لكن الذي يبقى حقا ليس عدد السنين، بل ما تعلمناه خلالها وجعلنا ندرك أن:
* بعض الخسارات كانت دروسا متكررة .
* بعض الصمت كان حكمة واتزانا لا ضعفا .
* بعض الانسحابات كانت شجاعة لحماية الذات،لا هروبا من الحياة.
أنا متأكد – ونحن نقترب من أيام العام الجديد – أنه لا يَعِدُنا بالسعادة المطلقة ولن يكون قطيعة مع الألم، بل هو فرصة أخرى لنكون أصدق مع أنفسنا، ألين مع من نحب وأكثر رحمة بذواتنا المتعبة ، هو دعوة لإعادة ترتيب القلب والتخلص من حَمْلِ ما لا يُسْتَحق أن يحمل.
إنه عام جديد يطل من وراء السحب المطيرة، معلنا أنه لن يكون صفحة بيضاء تماما، بل صفحة نكتبها بحبر التجربة، محاولين جعل حظِّها أصدق وأهدأ وأقرب إلى ما نريد أن نكونه، هو فرصة متجددة للتصالح مع الذات، لتخفيف القسوة على أنفسنا وغيرنا-في نفس الوقت – ولنعيد ترتيب أولوياتنا وتحديد انتظاراتنا، وأن نمنح وقتا أكبر للانصات، للبساطة ، للحب ..ولكل الأشياء التي لا تشترى لكنها تعني الحياة.
2 عن الزمن حين يُخَفَّف لاحين يُضِيف.
ونحن نودع الخريف لنستقبل الشتاء، على مقربة من العام الجديد، وهو ما يعطينا الإحساس بأن السنوات لم تعد أرقاما نتباهى بها، بل هي طبقات من المعنى تتراكم بهدوء. نصير معها على أهبة استعداد لاستقبال الزمن بالإصغاء، ولا نعدّ السنوات بل نزن ما تركته فينا من أثر ومعنى.
وها هي بدايات عام جديد تزحف نحونا ، وهو لا يأتي ليضيف بل ليخفف من الأحمال الزائدة عنا …من العلاقات المرهقة… من الأسئلة التي لم تعد تخصنا… ومن التوقعات التي أثقلت القلوب أكثر مما أسعدتها. بعد أن علمتنا التجربة أن النضج ليس تراكما، بل تنقية للدواخل. وأن ما تخلينا عنه كان شرطا ضروريا للمحافظة على ما بقي فينا نابضا بالمحبة.
وأن الفقد مهما بدا قاسيا فهو يعيد ترتيب القلب ، وأن – بعض – الغياب لا يُنْهِي الحضور ، بل ينقله إلى وعي أعمق .ويجعلنا نفهم أن الراحلين لا يغيبون ، بل يتحولون إلى بصيرة ، وإلى مقياس جديد نزن به الحياة .
3 معايدة سنوية في فضيلة السكون الناضج
قد نصادف في نهاية الخريف أن الإنسحاب الناضج لا ولن يشبه الهروب، بل هو عودة للذات بعد اختيارنا للصمت لأننا لم نعد نمتلك أي كلام ، أو لأننا صرنا نعرف متى لا يكون للكلام من معنى، وأن السكون ليس فراغا بل امتلاء من نوع أسمى. صرت معه أفكر في :
* أحبة يتقاسمون معي تفاصيل الأيام التي عشناها جميعا .
* أحبة أبعدتهم عني تضاريس الجغرافيا ولازالت الصلة معهم أمتن من كل المسافات . فغدوت أتمنى لهم/ لهن جميعا : سكونا يشبه ذاك الذي يسبق الفهم. وصبرا لا يٌقسي القلب بل يُوَسٌِعه وأملا هادئا لايَعِدُ بالكثير، لكنه لا يخون. وأن نعيش ما تبقى بعمق أكبر وبمحبة أقل ادعاءً… وبتصالح صادق مع الذوات.
كل عام وأنتم ونحن نتعلم أن المعنى لا يُطلب في السرعة، بل يستخرج من التأمل ومن الإصغاء الطويل لما يقوله الزمن حين نكفُّ عن مقاطعته.
كل عام وأنتن / أنتم أحبتي طيبون وطيبات.
المختار عنقا الادريسي
