” لمّا اختارَ الصمت”
الصمت فن عظيم من فنون الكلام

يضطر الإنسان أحيانا أن يتخلى عن أمور لم تعد تنتمي إليه.. أو يتشبث بأشياء لم تعد تناسبه.. أن يتوقف عن التقرب من أشخاص أصبحوا غرباء عنه.. فالحياة أثمن من أن يهدرها على علاقات مزيفة أو صداقات هشة.. أن يضيعها على أحلام ميتة أو آمال مستحيلة.. أن يبددها على مواقف رديئة أو أماكن لا تخصه.. هذه الأشياء تُنقِص من العمر.. وتثقل الكاهل وتستنزف الجهد والطاقة والوقت.. لذلك لا يجب التورط بالبقاء في ثنايا حكايات لا يجد فيه المرء الإهتمام والإحتواء.. و لا البحث عن التقدير والاحترام لدى من لا يعرف أهميته ولا يشعر بقيمته سواء في غيابه أو بالقرب منه.. ولا شحذ حب محال أن يأتي.. ولا التعلق باحتمالات بعيدة المنال والمآل.. ولا يجعل قلبه يقوده إلى دروب وعرة لن تؤدي به سوى إلى التيه والعدم..
إن من أكبر الأخطاء التي قد يرتكبها المرء هي اعتقاده أن الآخرين قد يمنحونه نفس الحب الذي أعطاهم إياه.. لذلك يكون أحيانا من أهم أشكال احترام الذات أن يحتفظ الإنسان ببعض مشاعره داخل أدراج صمته.. فقد يكون قال كل شيء حينما اختار الصمت.. يكون قد استنفد مداد التعبير وبحر الأحرف.. فالكثير من الكلام تقوله لغة الصمت.. دون الحاجة إلى حروف.. إلى كلمات.. إلى عبارات..
لكن هذا السكوت ليس علامة رضى وقبول لما كان أو سيكون.. وإنما تعبير عن خيبة.. دلالة عن إحباط لا ينفع معه أي حديث.. إعلان عن انتهاء مخزون الأمل.. إشارة إلى صدمة أنهت بداخل الإنسان شيئاً لا يمكن أن يحيا مرة أخرى.. صمت يضع نهاية لأحداث وقعت وحَدّاً لمبررات طالما طغت.. ولم يعد هنالك شيء يُحكى ويقال بعد..
أن يدفع الإنسان ثمن الكذب الذي اقترفه فهذا ما جناه على نفسه لكن أن يدفع غاليا ثمن صدقه فهذا ما يؤلم بشدة..
أن يجني المرء ثمار خيانته علقما فتلك عدالة السماء لكن أن يؤدي ضريبة إخلاصه فذلك جرح لا يندمل..
أن يحزنه سوء تصرفه وسلوكه ومعاملته للآخرين فذلك أمر عادي لكن أن يعاني من طيبته ورقته فذلك أمر أشد حزنا..
أن يكسره خبثه فتلك نتيجة طبيعية لكن أن ينكسر لنقائه وصفاء سريرته فذاك ما يحز في النفس..
أن يندم من كان زائفا في مشاعره فتلك هاوية لا مفر منها لكن أن يندم من كان حقيقيا في سره وعلنه.. في حله وترحاله.. فتلك آفة قاضية..
يقول القائد الرمز والزعيم الثائر إرنستو تشي غيفارا.
“لا بد أحيانا من لزوم الصمت ليسمعنا الآخرين .. الصمت فن عظيم من فنون الكلام”. وقد سبقه مولانا جلال الدين الرومي صاحب الطريقة المولوية إلى نفس القول تقريبا حين قال “لا بد لنا من الصمت بعض الوقت حتى نتعلم الكلام”. أما معلمه الروحي الشيخ الصوفي والعارف بالله شمس الدين التبريزي فقد نطق بحكمته الرائعة في مقولته: “الصمت أيضا له صوت لكنه بحاجة إلى روح تفهمه”.
نعم الصمت يحتاج إلى مَن ينصت إليه.. إلى مَن يسمعه.. إلى مَن يقرأه.. إلى من يفهمه..
الصمت يحتاج إلى موهبة كبيرة وقدرة عظيمة على التحمل والصبر..
يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله:
مَن لَم يَكُن كَلامُهُ حِكمَةً فَهُوَ لَغوٌ..
وَمَن لَم يَكُن سُكوتُهُ تَفَكُّراً فَهُوَ سَهوٌ..
وَمَن لَم يَكُن نَظَرُهُ عِبرَةً فَهُوَ لَهوٌ..
