تأملات في خريفية العمر
الغياب ليس نهاية الحضور
اهداء خاص : إلى إبني مهدي الذي علمني أن للحياة قدرة دائمة على البدء … وإلى المرحوم أخي رشيد الذي علمني أن الغياب ليس نهاية الحضور ، بل تُحَوِّلُه إلى معنى .

* هامش للبدء
تأتي هذه التأملات المكتوبة لاعتبار مني أن الفعل الكتابي ليس مجرد ممارسة لغوية، بل هي نوع من التطهير الذاتي الصامت، فحين يشتد الألم وتضيق المسالك ينزف القلب حروفا
يصبح معها الورق ملاذا وحيدا قادرا على فهم ما لا يقال. فالقلم لا يسخر من الدموع، بل يصغي إليها، يحولها من جروح إلى كلمات وجمل، ومن انكسارات إلى مقولات وتأملات. وتبقى الكتابة طريقا لإيجاد المعنى ومسلكا علاجيا بطيئا، لكنه حقيقي وعميق.
* حين يتحول الوجع إلى حيز يضيء.
من لا يعرف الألم، قد لا يعرف الكتابة، فالحروف ما ولدت إلا من أنين إنسان لم يجد وسيلة يعبر بها عن وجعه، عوض ارتكانه إلى دوامة الصمت. وكل كتابة عن الجرح لا تأتي للشكوى، بل لتُبْقِى القلب حيا وسط أمواج عاتية من العواصف. فنحن عندما نكتب فإنا لا نطفئ الألم، بل نضعه في مكان يسمح لنا بالنظر إليه، بعيدا عن أي احتراق لأن الكتابة ليست نسيانا، بل تصالحا مع مايؤلمنا. وكأنها تقول لي : بكتابتك تتجاوز الألم وتتغير كي لا تعود كما كنت قبل ممارسة الفعل الكتابي. وتبعدنا مسافة عن الجرح، لتجعلنا نرى في الظلام معنى، وفي الخسارة درسا نحو ضوء خفي. ولهذا قيل قديما بأن أجمل النصوص تلك التي كتبت تحت الرماد، حيث لاشيء يلمع سوى صدق التجربة. فمع الألم قد نتَعَلَّم كيف نضيء بدل أن ندمر. ومنه ننتهي إلى القول بأن الكتابة ليست شِفاءً كاملا ولكنها ذاك الحوار الصادق مع كل الجراح. فنكتبها لأننا بها نحيا، ونحيا لأننا نكتبها. ويبقى كل حرف هو في حقيقته أثرا لقلب تألم ثم
سامح وواصل السير متناسيا، مبتسما، منتشيا بالصفاء.
* شهر ديسمبر يتسع لنبضين: الفقد والولادة.
ديسمبر عندي ليس شهرا عابرا في تقويم خريفية العمر، إنه كالكائن الذي يحمل قلبين في صدر واحد: قلب مُثْقل بالحنين، بالذكرى. وقلب ينبض بالرجاء ودفء البدايات، وهو – الشهر – المسافة الدقيقة بين ضفتين، الأولى تُولَدُ فيها الحياة، والثانية يُلوِّح فيها الغياب بيده الأخيرة.
فيه تعلمت أن الزمن لا يسير في خط مستقيم، بل يدور في القلب دوائر حلزونية متداخلة، كلما حسبت أني تجاوزتها، إلا وتعود لتذكرني بأن بعض التواريخ لا تشيخ.
ففي السادس عشر من ديسمبر 1992 دخل إبني الوحيد “مهدي” إلى عالمنا الأسري، لا كمولود فقط، بل كإعلان صامت بأن الحياة رغم قسوتها فهي ماتزال قادرة على أن تبتسم، وكأنها تقول لي : “خذ هذا الضوء لتعبر به عتمتك، وهذا الحضور لتتوازن أمام كل غياب قد يأتيك”. فكان ذاك اليوم أول درس لي في الرجاء ، وأول امتحان للفرح الذي لا يصرخ بل يُقِيم في عمق الأعماق.
وقبل أن يكتمل قوس ديسمبر بثلاثين عاما تقريبا ، في الخامس عشر منه سنة 2021 ، غادرنا الأخ الأصغر “رشيد”، الظل السيزيفي الذي كان يمشي وحيدا دون أن يطلب مكانا في الصدارة.
لم يكن رحيله صاخبا، بل كان هادئا موجعا، وكأن الموت نفسه احترم طيبة صاحبه فاختاره على مهل في غفلة من الجميع. فبين ذكرى الأخ الغائب المفتقد، الذي انطفأ باكرا وطلة الإبن الوحيد، تتشكل داخلي كل سنة معادلة لا تحل بالمنطق وحده بل بالقبول، التقبل وهو مؤشر على أن الزمن لا يأتي نقيا، ولا يمنح نعمة دون أن يعمد إلى اختبار قدرتنا على الألم، ولا يطرق بابا إلا ليُبقي آخر مُشْرَعا.
وهكذا صارت عندي هذه المحطة الخريفية معلقة بين جناحين : واحد يَرُفُّ نحو السماء حيث تحلق روح “رشيد “في طمأنينة تامة ، والآخر ينحني نحو أرض الغربة ليهيء طريقا أوسع وأصفى ل”مهدي” .
ولعل أجمل ما أدركته بعد كل هذه السنوات … التناقضات ، أن الذكريات لا تُلْغَى، بل تتعايش وأن القلب وحتى وإن امتلأ بالأحزان، يظل قادرا على تقبل اتساع حياة جديدة … وأن الإنسان لا يمكن أن يٌشْفى بالنسيان، بل بالاعتراف بأن الفقد والحب هما وجهان لعملة واحدة… هي التواجد، وأن الولادة هي الوعد الصادق الذي يربطنا، يشدنا إلى كل ما هو آت لا محالة…
لهذا أحتفظ بك يا شهر ديسمبر كما أنت، تحمل نبضين متجاورين لا يصطدمان :
نبض ولادة.
دموع فقد.
فرح لايكتمل.
حزن لا ينغلق.
لم أعد أطالب هذا الشهر بالانحياز، ولا أسأله أن يكون عادلا، يكفيني أنه صادق، يذكرني بأن الحياة لا تُعطى كاملة ولا تٌؤخد دفعة واحدة. فيه فهمت أن الفقد لا يمحو ما قبله، وأن الولادة
لا تلغي ما بعدها، وأن القلب بإمكانه أن يكون مأتما ومهدا في الوقت ذاته.
فإذا كان” مهدي ” قد علمني أن أومن بالغد، فإن المرحوم “رشيد” قد نبهني إلى التواضع أمام الأمس. وبينهما أقف أنا إنسانا خريفيا يتعلم كيف يصالح الزمن، دون أن ينتصر عليه. واسترجع فيه ذكرى، غضب، ثورة، استسلام، ابتسامة أخي رشيد. وأتلمس طموح، رغبة، أمل، خطوات إبني الوحيد مهدي. شهر يجمعني بمن ذهب، يذكرني بالذي من أجله أواصل السير ،التعبير ، الصدح، الأمل …. مرددا أن ديسمبر ليس شهرا للحزن ولا للفرح، إنه شهر الذاكرة الناضجة حين ندرك أن التجدد لا يُولد إلا من رَحِمِ الفقد، وأن بعض الأحبة لا يرحلون بل يتحولون إلى معنى.
* خاتمة وجدانية لخريفية العمر.
حين أصل إلى نهاية هذه السلسلة التأملية، أجدني مدركا أن” خريفية العمر” ليست مجرد فصل من الفصول، بل هي مرحلة من التحول والوعي، بعد أن أخذتني – الأوراق المعدة والمنشورة – في رحلة من الغروب إلى الضوء الداخلي، من الريح التي تهب لتغير كل شيء، إلى دقيقة الحلم التي تستعيد فينا قوة الحياة، ومن الألم الذي يحولنا إلى أناس أكثر ادراكا ومعرفة بأنفسنا، إلى الصفاء الذي يفيض من القلب حين يتصالح مع الزمن.
في خريفية العمر يصبح الفقد صديقا والألم معلما والذاكرة نافذة، أطل منها على عمق التواجد. وتغدو كل تجربة – مهما كانت مؤلمة أو مُتْعِبَة – حاملة في طياتها فرصا للتجديد والنمو، لتُعَلٍّمَنا كيف نحب أكثر، ونتحمل أكثر، ونعيش بصدق مقدرين كل لحظات، أوقات، مراحل أعمارنا. خاصة وأن الحياة لا تقاس بمرور مراحلها فحسب، بل بمدى قدرتنا على فهمها، استيعابها، تقبلها، عيشها بوعي وامتنان. وهكذا أغلق هذه التأملات / الخواطر لا كمن يضع نقطة نهاية ، بل كمن يضع فاصلة هادئة في جملة العمر الطويلة ، موقنا أن الخريف العمري هو مناسبة لإعادة اكتشاف أنفسنا، ولنستمر في المشي على الطريق حاملين في دواخلنا القصص، الذكريات، اللحظات … لأن الحياة تصبح – والحالة هذه – أعمق وأغنى كلما صُغْنَاها
في صفحاتنا الخاصة وشاركناها مع قلوبنا قبل أي قارئ آخر.
13 ديسمبر 2025
