خريفية العمر : خواطر بين الفقد والتجدد …

خريفية العمر : خواطر بين الفقد والتجدد …

 حلم في خريف العمر

المحطة / الدفعة الثانية :

كلام للبدء

* ها هو خريف العمر يمتد على مهل، لا كظل ثقيل، بل كضوء خافت يتسلل من بين أغصان شجرة أتعبها تعاقب الفصول ، لكنها ما تزال واقفة وكأنها احدى شجيرات ” طلح ” في صحراء الحياة ، اختارت الوقوف لتمنح الدفئ لمن يقترب منها . فلم يعد الخريف – معها – فصلا للنهايات ، بل صار موسما للانصات، إنصات لما تبقى في الدواخل من ذكريات، من حلم ، من أمل، من ضوء لم يفقد قدرته على الوميض مهما صغرت مساحته.

* حين انهيت الدفعة الأولى من تلكم الخواطر ، بدا كأن شيئا في الروح ما زال يطالب بالحق في الكلمة، التعبير، فالصمت نفسه ما عاد كافيا ليحتوي المعنى. فكان لزاما علي أن أفتح كُوَّة جديدة، لا لأعيد ما قيل، أو لأشرح ما مضى، بل لأواصل المسير في عوالم رحلة هادئة بين ظلال الفقد ومنازل التجدد. فيها وخلالها اتسعت دائرة التأمل، وعادت الأسئلة لتتخذ شكلا أخف، أعمق، أقرب إلى الهمس منه إلى الجدل.
هي أسئلة إذن عن معنى البقاء، عن جدوى الذكريات، عن المسافة بين ما نخسره وما نتعلمه . أسئلة قد تشبه خطوات إنسان يسير وحيدا في ممر تغطيه أوراق الخريف، لا يبحث عن طريق جديد بقدر ما يبحث عن طريقة/ خواطر جديدة للعبور .
وتبقى كل خاطرة من هذه الدفعة، ليست سوى محاولة للقبض على لحظة صفاء، تذكر، امتنان، اعتراف، أو حتى تعب جميل يعقب رحلة طويلة امتدت على السبعين، لأن أجمل ما في خريف العمر هو السماح لنا برؤية العالم بعيون هي أقل رغبة في التملك، النفوذ، الحُكْم … وأكثر ميلا للفهم، التفهم، البساطة، التسامح …
فالأشياء التي كانت تبدو عادية في أيام الشباب غدت تكسب في هذه الخريفية نبرة أعمق، كأنها تُعيد تعريف نفسها بهدوء، وكأننا – نحن أيضا – نعيد تعريفا لذواتنا، أدوارنا … دون أن نشعر.
إنها أوراق كتبها الحنين الذي لا يجرح، التجربة التي تسمو، الطمأنينة التي تتشكل ببطء، التروي المتزن والمتسامح مثل الضوء الأخير قبيل كل غروب .

1 حين تصير الحياة دقائق منفلتة

في خريف العمر، تصبح الأيام أكثر هدوءا وتغدو الخطوات ألين ، فنكتشف أن الحياة ليست تلك المسافات الطويلة التي قطعناها ، ولا تلك المرتفعات التي نكون قد تسلقناها ، ولا حتى تلك المناطق التي حطننا بها الرحال ذات زمن . بل هي دقائق صغيرة كانت تمر منزلقة بين فصول العمر دون الإنتباه إليها . ففيها ومن خلالها تأتي فترات الحلم ، ومضة قصيرة أشبه ما تكون بنافذة تفتح فجأة على ضوء خافت بعد غياب طويل،
أو هي عبارة عن بوابة تُشْرَعُ على أمنيات كنا قد أجًّلْنَاها – بغير قصد – أو هي سِفْرٌ يجمع الكلمات التي خنقناها بدون شعور منا، ولكل الذكريات التي
تناسيناها بحكم عامل الزمن ، ولكل الأحضان التي لم تسعفنا الظروف في الاستمتاع بها مع من كان يستحقها منا ولا يزال وسيبقى . وهو ما ينسجم مع القول المنسوب إلى المتصوف والشاعر ” جلال الدين الرومي ” ، ومفاده:【 ثمة شمعة في قلبك … تنتظر أن تُضاء 】 . ففي فضاء الحلم  تشتعل الشمعة دون صخب أو دخان، كأنها تقول للروح : ان الضوء لم يغادرك يوما .

2 الحلم نسمة داخلية منعشة

في خريفية العمر يصبح الحلم مقاومة، ليس لأننا نجهل حدود الممكن، بل لأننا نرفض أن نصير أسرى لها . فالحلم لم يعد مشروعا مستقبليا كما كان ذات زمن ، ولا هَمًّا مؤرقا يذكي القلق كما كان في منتصف الحياة ، بل يتحول إلى راحة خفيفة ، إلى زهرة داخلية تتفتح ويفوح عطرها بتؤدة . فتظل معها الروح قادرة على التحليق باحثة عن شمس لا تغادر الأفق، عن معنى لا يبهت، عن لون لا يكشف، عن محبة لا تشيخ، وتبقى دقيقة الحلم تلك هي الزمن الحقيقي، زمن القلب لا زمن الوقت، هي مسافة الضوء في عتمة الروتين، هي الشرفة التي نطل منها على ما تبقى من العمر، بعيدا عن الشكوى … عن الألم… الضغينة … الحقد الدفين. فيمر الحلم كما تمر نسمة آخر النهار تاركة في الروح أثرا  يجعلني أنساق وراء قول “ألبير كامو ” التأملي【 في عمق الشتاء ، تعلمت أخيرا أن فِيَّ صيفا لا يقهر 】 .

يتبع

المختار عنقا الادريسي

طنجة . المملكة المغربية

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com