التعليم هو سر النجاح…

التعليم هو سر النجاح…
Moneycontrol
​​

كيف نقنع الجيل الجديد في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية الحالية؟

د. محمد جيستي

يواجه الخطاب التربوي المعاصر تحدّياً متنامياً في إقناع الجيل الجديد بأن التعليم يشكّل مساراً موثوقاً للنجاح. يعود ذلك إلى التناقض الصارخ بين ما تُدرّسه الأنظمة التعليمية من قيم، وما يشاهده الشباب في الواقع من مفارقات: خريجون يواجهون البطالة وضعف الفرص الاقتصادية في مقابل انتهازيين أو فاسدين يحققون ثراءً سريعاً بطرق غير مشروعة. هذه المفارقة تولّد حالة من الشك العميق في الجدوى العملية للتعليم التقليدي، وتفرض ضرورة إعادة التفكير في علاقة التعليم بالنجاح ضمن عالم سريع التحوّل.

لم يعد سوق العمل الحالي يعتمد حصراً على الشهادات الجامعية كما كان في العقود الماضية. فقد أدى التطور التكنولوجي و الرقمي إلى تحولات بنيوية في إعادة تشكيل معايير التوظيف، بحيث باتت المهارات التطبيقية، والقدرة على التعلم الذاتي، والمرونة المهنية عناصر محورية في تحقيق النجاح. ونتيجة لذلك، يُخفق كثير من خريجي التعليم التقليدي في المنافسة المهنية بسبب محدودية تدريبهم العملي واعتمادهم على نموذج تعلّم يركّز على الحفظ أكثر من الإنتاج.

كما تشهد المجتمعات العربية استفحال أزمة أخلاقية و انتشاراً كبيرا في صعود طبقات ثرية عبر الفساد أو استغلال النفوذ، ما يخلق في ذهن الشباب انطباعاً بأن النجاح مرتبط بـ”الحيلة” لا بالاجتهاد. وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة ليست عامة، إلا أن تأثيرها في المخيال الجمعي قوي؛ إذ تؤدي إلى تشويه مفهوم النجاح وإضعاف الإيمان بالمسارات المهنية القائمة على العمل الشريف والتعليم المنظم.

icrrd

لكن على الرغم من التحديات السابقة، يُعدّ التعليم – بمفهومه الواسع – استثماراً طويل الأمد في بناء رأس المال البشري. فالإحصاءات العالمية تثبت أن الأشخاص الأكثر تعليماً يتمتعون بفرص أعلى للحصول على وظائف مستقرة، ومهارات أفضل للتكيف مع الأزمات الاقتصادية، وقدرة أكبر على الابتكار. كما أن التعليم يساهم في تعزيز التفكير النقدي، ومهارات التحليل، والقدرة على حل المشكلات، وهي عوامل لا تُقاس بالراتب فقط، بل بقدرة الفرد على بناء مسار مهني مستدام ومتطور. ما يجبر الطالب على ضرورة الانتقال من التعليم إلى التعلّم.
لإقناع الجيل الجديد بقيمة التعليم، يجب تجاوز النموذج التقليدي للتعليم الذي يربط المعرفة بالشهادات الورقية فحسب. فالمطلوب اليوم هو تعليم قائم على المهارات، يتضمن التدريب العملي، والتعلم عبر المشاريع، لا مجرد تحصيل درجات وإتقان الأدوات الرقمية، وبناء محفظة أعمال. كما ينبغي للجامعات والمدارس أن تنفتح على سوق العمل، وأن تُدرج مسارات ريادة الأعمال والمهارات الناعمة ضمن مناهجها الأساسية الناعمة.

أعتقد أن إعادة بناء الثقة عبر القدوة المؤسسية لا يكفي عن طريق تطوير المناهج بدون وجود بيئة اجتماعية تكرّس قيم النزاهة،  وتُحاسب الفاسدين بجدّية. فإقناع الشباب بأن النجاح الأخلاقي ممكن يتطلب أن يروا نماذج ناجحة وشفافة في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، ولاننسى أن الإعلام يحمل مسؤولية كبرى في إبراز قصص نجاح حقيقية نابعة من التعليم والعمل، لا من التحايل أو استغلال السلطة.

السؤال هنا عن كيفية إقناع الجيل الجديد بقيمة التعليم ليس اعتراضاً على التعليم ذاته، بل على الواقع المشوَّه الذي يفصل بين الجهد والنتيجة. ولذا، لا بد من مشروع إصلاحي شامل يعيد صياغة العلاقة بين التعليم والنجاح، عبر تطوير المهارات، وتفعيل العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، وتوفير نماذج نجاح أصيلة. عندها فقط يمكن للجيل الجديد أن يرى في التعليم ليس مجرد طريق لتحقيق الثروة، بل مساراً لبناء الذات والمجتمع، وتحقيق قيمة إنسانية واقتصادية مستدامة.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com