قصة قصيرة: ذُبابةُ المَوتِ

قصة قصيرة: ذُبابةُ المَوتِ
الكاتب المصري : محمد ياسين خليل القطعاني

عيناه مُحْتقنتان، تَسحان الدموع، تلسعُه بحرارتها، تختلطُ بالغُبار المُتصاعد من الأرجلِ المُهرولة، أنفاسُه تتعثر، يتحسس أنفه، تلازجتْ ذراتُ التراب معَ دموعه، يمسحُ عينيه بأناملِ مُرْتعشة .

رِجالٌ ناكسو الرّؤوس، ونساءٌ مُتشحاتٌ بالسواد، الحزنُ يُغلف وجوهَهُنَّ، رَمقها منْ بعيدٍ باكيةً، مُفجَّعةً على فقيدها، تَهيل التراب على رأسها وملابسها، تغمرُ وجهَها بغُرفات منه، ذاك الترابُ الذي وطأته الأقدامُ مراتٍ، وتساقطتْ عليه الدموع مراتٍ، غابتْ ملامحُها خلفَ غُلالاته، صارَ وجهُها بلونِ ملابسها.

بَعضُ المُشيعين مُنهمكون في الحفر، أكوامٌ من الأتربة يجرفونها خلفهم بِهمةٍ، بدأتْ فوهة القبر تُطِلُّ من تحت أرجلهم، فاشتدّتْ حَميّتهم، حينئذٍ شقّتْ صرختُها سكونَ الصمت، نظرتْ إلى ابنها المُسجى في لفافاتٍ بيضاء، مُستكيناً على المَحفة الخشبية المُتهالكة، فعاودت الصراخ، مزّقتْ جيوبها، بعد ما مزّقَ الموتُ كبدَها.

عاودَ النظرَ إليها دامعاً، عاودَ النظر إلى المُسجى، بعد لحظاتٍ سيكون رفيقُه من سُكان هذا القبو المُظلم تحتَ الأرض، لنْ يراه بعد اليوم، لن يسمعَ نداءه عليه فَجْراً؛ ليتوجها معاً إلى كَدِّهما مع مقاول الأنفار القاسي.

كانا راضيين بنصيبهما على ظهر الأرض،  يتقاسمان قطعةَ الخبز اليابسة، والقليل من الإدامِ، الجُبن الذي تصنعه أمُّه، تُبْقي القليلَ لهم، و تَبيعُ أغلبه في سوقِ المدينة، سأل نفسه:

– كيف ستكونُ الحياةُ بعده ؟

 قدماها أسرعتا إلى جثةِ وحيدها؛ لتحتضنَه للمرة الأخيرة، تعثرتْ في أكوامِ التراب أمامَ فُوهةِ القبر، انكفأتْ فوق جُثمانه، طَبعتْ قُبلات على رأسه، تشمّمتْ جسدَه الضئيل، غمسَتْ أنفها في كفنه، وجهُها المُعفر بترابِ المقابر المُمْتزج بدموعها تركَ رائحتها على  اللفافات التي تواريه .

امتدتْ إليها أيدي جاراتها يَرفعنها مِنْ فوقِ جسده، تشبثتْ به، أظافرُها اقتصّتْ قطعةً من  كفنِه، بِمَشقةٍ استطعْنَ حملها عن  جَسدِ ابنها، وقفتْ تترنح على قدمين نَحيلتين، قَدَمٌ تحملها حيناً، والأخرى تَخذلها.

شاهدتْ ابنها والأيدي تحمله من فوق المَحفةِ إلى فوهةِ القبر، خَفيفٌ كريشةٍ تَعبثُ بها رِياحُ الشتاء، نَحيلٌ كغُصْنِ شجرةٍ جَفّ من طول حرمانه من الماء،  صرختُها أهاجت الطيور مِنْ أعشاش أشجار المقبرة، حانتْ لحظةُ توسيده مع الذين سبقوه.

التقتْ عيناه المُحتقنتان بعينيها المُحترقتين، قالتْ له بصوتٍ جرحه طولُ البكاء:

 –  رفيقك مات، معَ مَنْ ستقتسم الطعام ؟

انهارتْ قواه، سقطَ على الأرض، علا صوتُه بالبكاء، شعرَ برغبةٍ أنْ يَحُثّ التراب على رأسه، يُمزقَ ملابسه، تحاملَ على نفسه، وقفَ مُستنداً على جِدارِ القبر، وعيناه  تتوزعان بينَ  المُشيعين، والجسد المسجى.

من بعيد شاهدها مُقبلةً نَحوه، إنّها ذُبابةُ المَقابر الزرقاء، إنّها ذُبابةُ الموت، إنْ قَصدَتْ زائراً للمقابر، وطافتْ حوله سبعَ مرات، فهذا إيذانٌ باقتراب أجله، سوف يكونُ طعامُها، ذلك حديثُ أهلِ القرية، يتوارثونه عبرَ الأجيال، وهكذا أكّدَتْ أمُّه .

دفعَ الذبابةَ بيده في دورتها الأولى، لم تَعْبأ به، أتبعتْها بالدورة الثانية حولَ رأسه، ارتعدَ، فَزِعَ، رَكضَ بَعيداً، لَحِقته، أتمّتْ دورتها الثالثة.

تخيّل نفسه مَيتاً، مَلفوفاً في كفنٍ، وعلى شفا فوهة القبر، وأخواته الثلاث مُنكسرات باكيات، وأمُّه تندبه، وحالها كحال أمّ رفيقه، ونسوة القرية يُخففنَ عنها مُصابها وهي تهيل التراب على جسدها، تطيح على وجهها، تتمرغ في تراب المقبرة، كسرَ قلبَه مرآها، خاطبَ الذُّبابة مُسْترحماً :

– اتركيني، لا أريدُ أنْ أموت !

– أنا العائلُ الوحيد لأمي وأخواتي  الثلاث، مَوْتي مَوْتٌ لأمي وأخواتي!

دارتْ حوله الدورةَ الرابعة، لم تهتمْ بتوسلاته، ازدادَ طنينُها ، ازدادتْ ضرباتُ قلبه ،أكملتْ دورتها الخامسة مُقتربةً من أنفه، صارخها مُضطرباً :

– رائحتُكِ قذرة ، دعيني أعيش!

نفسُه تحدثه بعدما أخفقَ في صرفها عنه :

– عليَّ الهرب إلى مَنزلِ أمي، فلو مِتُّ  قَضتْ أمي حُزناً عليَّ ، ولو ماتتْ أمّي انهدمَ بيتنُا، وتشردتْ أخواتي اليتيمات.

يَمّمَ وجهه شطرَ مَنزله، نَحوَ أمّه، يُهرول، تَصطكّ قدماه، يطيحُ على الأرض، ينهض، يتصبّبُ عرقاً، تتلاحق دقاتُ قلبه، مازال يتخيلها تلاحقه، فتزداد قفزاته، يتعثر في حَجَرٍ صغيرٍ، يسقطُ على وجهه، تسيل الدماء من أنفه، يمسحُ الدماء بباطن كفه، فانسبغَ وجهه بالدماء والتراب.

اقتربَ من منزله، شاهدَ أمه  جالسةً على عتبةِ الدار كعادتِها، وحولها صغيراتها، ما زال يشعرُ بها خلفه، تتبعه، تسارعتْ خطواته، الدماءُ تسيلُ من أنفه، وصلتْ فمَه، انزلقتْ إلى حلقه مَصحوبةً بترابِ الطريقِ، يشعر باختناق، انحنى لأسفل، تقيّأ دماً.

دقاتُ قلبه يسمعها، ويسمعُ معها طنينُ ذُبابة الموت، مَشْهد أمِّ رفيقه المَفجوعة على فراق ابنها يترآى له، يتخيل أمَّه مكانها، فأسرعَ أكثر؛ لينقذَ أمَّه مِنْ مَصيرِ أمِّ رفيقه.

هي خُطواتٌ، ويكونُ في أحضانِها، لم يَعدْ يشعر بقدميه، أصبحَ كَريشةٍ تعبثُ بها رياحُ الشتاء، كغصنِ شجرة جَفَّ من طولِ حرمانه من الماء، وَجَدَ نفسه مُلقى عندَ قدميها، وسطَ ذهولها من هيئتِه، الدماءُ والأتربة حَجَبتْ ملامحَ وجهِه، قالَ مُطمئناً إيّاها بصوتٍ مُتَحَشْرجٍ:

لا تَخافي يا أمّي ، لَنْ أموت ، لقدْ هَربْتُ مِنْ ذُبابةِ المَقابر!

لكنّهُ… مات!

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com