قلعة الأحرار بين عبء الوعي وعزلة المعرفة

قلعة الأحرار بين عبء الوعي وعزلة المعرفة
        د.محمد جستي

“كلما زاد فهمك، قلّ من يفهمك”

“كلما زاد فهمك، قلّ من يفهمك” ليست مجرد مقولة شائعة، بل هي تعبير مكثف عن مفارقة وجودية ومعرفية عميقة تواجه من يسعى إلى الغوص في أعماق الفكر والوعي. إنها تختزل التوتر القائم بين الوعي الفردي المتقدم والواقع الاجتماعي المحدود، وتشير إلى ثمن باهظ يدفعه الإنسان حينما يتجاوز إدراكه المتوسط العام. فهل حقًا كلما ازداد الفهم، تضاعفت العزلة؟ ولماذا يؤدي تعمق الإنسان في المعرفة إلى انفصاله عن محيطه؟
يجب التمييز منذ البداية بين المعرفة والفهم. فالمعرفة قد تكون كمية، تراكمية، تعتمد على الحفظ أو التلقي، بينما الفهم عملية تتجاوز المعرفة السطحية لكونه نوعي، تأويلي، نقدي. الفهم يعني القدرة على رؤية العلاقات المعقدة، وتفكيك البديهيات، وإعادة بناء المعنى من الداخل.
وعندما يصل الفرد إلى مستوى عميق من الفهم، فإنه لا يكتفي بتلقي الخطابات السائدة، بل يبدأ في إعادة تأويلها، مساءلتها، وربما رفضها. وهذه القدرة لا تتوفر عند الجميع، لا لأنها تتطلب ذكاءً خارقًا، بل لأنها تستلزم شجاعة فكرية وخروجًا من مناطق الراحة الإدراكية.
إذ يرتبط الفهم العميق عادةً بـ”الوعي النقدي”، وهو وعي لا يكتفي بفهم ما هو كائن، بل يتطلع إلى ما ينبغي أن يكون. وهذا النوع من الوعي غالبًا ما يؤدي إلى الاغتراب. إذ يشعر صاحبه أنه لا ينتمي إلى الجماعة التي لا تشاركه الأسئلة، ولا ترى ما يراه، أو ترفض حتى محاولة الفهم.
هذا ما أشار إليه الفيلسوف الألماني هيغل حين تحدث عن “وعي السيّد والعبد”، فكلما تطور وعي العبد من خلال العمل والتجربة، ازداد شعوره بالاستقلال، بينما يبقى السيّد جامدًا في موقع السيطرة. كذلك الأمر مع من يتعمق في الفهم: يصبح حرًّا داخليًا، لكنه يغترب عن مجتمعه الذي لا يواكب تحوله.
و بما أن اللغة تعتبر عائقا للتفاهم،فمن مظاهر المفارقة أن من يزداد فهمًا، يواجه صعوبة في التواصل. ليس لأن أفكاره معقدة فحسب، بل لأن اللغة المشتركة بينه وبين محيطه لم تعد كافية.
حينما يتغير فهم الإنسان للعالم، تتغير أدواته التعبيرية، ويصعب عليه شرح أفكاره للآخرين دون أن يُساء فهمه، أو يُتّهم بالتعقيد أو الاستعلاء. وهذا ما يعزز شعوره بالعزلة، ويزيد من الفجوة بينه وبين من حوله.
لكن مقاومة المجتمع للفهم المختلف تجعل
المجتمعات بطبيعتها تميل إلى الاستقرار المفاهيمي، وتُفضل “الانسجام المعرفي” الذي يُعزز الاتفاق العام. ولهذا، يُقابل من يفكر بطريقة مختلفة بالرفض أو العزل أو حتى السخرية. لأن الفهم المختلف يهدد التماسك، ويحرّك الماء الراكد في بحيرة المعاني المستقرة.
وهنا نتذكر ما قاله نيتشه: “كلما ارتفع الإنسان في تفكيره، قلّ من يستطيع أن يصاحبه”. ليس لأن الآخرين أقل قيمة، بل لأنهم غير مستعدين للمخاطرة بخلخلة الأسس التي بنوا عليها هوياتهم ومفاهيمهم.
مع ذلك، لا يجب أن نبالغ في تقديس العزلة أو اعتبارها حتمية. فالفهم الحقيقي لا ينتهي بالانفصال، بل بالسعي إلى الجسر بين الذات والآخر. فالفهم الأعمق يجب أن يقود إلى التواصل الأعمق، وإن تأخر أو صَعُب.
الفيلسوف بول ريكور كان يرى أن الفهم التأويلي يتطلب “الاعتراف بالآخر”، أي محاولة فتح المجال لحوار حقيقي، لا عبر التبسيط المخل، بل بالتواضع المعرفي والاستعداد لبناء لغة مشتركة.
فكلما زاد فهمك، قلّ من يفهمونك” ليست مأساة بالضرورة، لكنها نذير بعزلة محتملة، يمكن التخفيف منها بالوعي، والتواصل، والصبر. الفهم لا يجب أن يكون مدعاة للانفصال، بل دعوة للارتقاء الجماعي إن أمكن، أو على الأقل، للتعايش مع الواقع بفهم أعمق، حتى لو لم يشاركه الجميع.
في نهاية المطاف، ما يُفهم بعمق يُعاش بصدق، ولو في صمت.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com