تسكعات رفقة ” أولاد الكاريان” ومحمد صوف
” أولاد الكاريان” : مرحلة من تاريخ المغرب الحديث

رواية ” أولاد الكاريان” للقاص والروائي محمد صوف عن منشورات دار أكورا بطنجة،تتكون من أربع وتسعين صفحة من الحجم المتوسط.
تأملت لوحة الغلاف مليا للنفاذ من خلالها إلى معاني المتن الروائي أو ربطها بالعنوان، لكنني لم أفلح في ذلك، فقط بعد نوع من التحري والاستقصاء، تبين أنها لفنان تشكيلي ألماني يدعى “إرنست لودفيج كيرشنر”. تمثل اللوحة صورة فتاة جميلة مسرفة في الزينة، وراءها في أغلب الظن رجل بخلفية سوداء تحيل على الغدر والأذية..
لعل أول ما أثارني في رواية “أولاد الكاريان” ذات لقاء ثقافي فور الإعلان عن صدورها هو العنوان، الذي يحيل في زمن سابق أيام طفولتنا، إلى شتيمة تُلحَق بالأطفال المنحدرين من أحياء القصدير، هذه الأحياء التي كان لنا فيها أشخاص نحبهم..
أذكر أنني في الطفولة كنت أسعد بالذهاب إلى أسرة صديقة بكاريان سيدي عثمان، وأتمنى قضاء الليلة عندها، لكنني لم يكن مسموحا لي بذلك، أبي كان يخاف علي من الحريق الذي كان بين الفينة والأخرى يلتهم مجموعة من “البراريك”.
كانت النار العدو اللذوذ لسكان الكاريان، والتي لا يعرفون كيف تندلع شرارتها في رمشة عين..
كل هذه العوامل أثارتتي عند سماعي بعنوان الرواية، وكانت لدي رغبة قوية في قراءتها قبل تاريخ التوقيع، لإعداد كلمة بشأنها، لكنني لم أتوفق في الحصول عليها إلا يوم التوقيع..
وأنا أتسكع في دروب الرواية، مررت بدروب الحي المحمدي، فانحرفت بي الذاكرة إلى “ثانوية عقبة بن نافع” التي احتضنتنا ذات زمن بعيد..تذكرت أصدقاء المرحلة، الذين آمنوا بقدراتهم الخلاقة، فتركوا بصماتهم القوية وحصلوا على مراكز اجتماعية عليا دون وساطات، فقط بكدههم وجدهم..
تذكرت أساتذة ذوي كفاءات عالية زرعوا فينا بذور الدرس والتحصيل، وحببوا لنا القراءة..
“أولاد الكاريان” رفاق الزمن المكلوم..اجتراحات واقع مأساوي لحي من الأحياء الصامدة، الموشومة في ذاكرة البيضاويين بكل فخر واعتزاز. “الحي المحمدي” القلعة العتيدة ذات الجذور الممتدة في صلب النضال والمقاومة.
يقول الناشر في كلمته على ظهر الغلاف:
” أولاد الكاريان” رواية تختزل مرحلة من تاريخ المغرب الحديث، بشكل يمزج بين الوثيقة والمتخيَّل، كل شخوص الرواية حقيقية، نعرفها وتعرفنا ونصادفها يوميا في حياتنا الاجتماعية..
ثمة حكاية جيلين داخل فضاء لم تتغير ملامحه..
اختار الكاتب لأحداث روايته فضاء الكاريان سنترال بالحي المحمدي لرصد مرحلة من مراحل المغرب من خلال جيلين كما شهد بذلك في حوار له بجريدة ألوان الإلكترونية. يقول:
“إذا أردت أن أتحدث عن زمن الرواية، فيمكنني أن أشير إلى أني اخترت الاشتغال على فترة تتأرجح بين مرحلتين؛ نهاية الاستعمار وبداية الاستقلال.”
حادثة الاغتصاب تؤثث فضاء الرواية، وتظل الخيط الناظم لكل فصولها.
منذ الوهلة الأولى يصادفنا العنف الممارس على الفتاة.
” ما إن وُضِعتْ يد على فمها ووجدت نفسها محمولة على كتفي أحدهم
حتى حضرتها حكاية التباع.
كانوا هم.
وقفوا بها في خلاء…غير بعيد من ملعب الطاس…”
ثلاثة أصدقاء حاولوا التربص بالضحية قصد التناوب عليها لنهش لحمها الطري، لكنهم دخلوا في شجار من أجلها، ومن يكون البادئ. وكانت الغلبة للأقوى، عندما أخرج ولد اغضيفة سكينه قائلا:
“سأكون البادئ. ولن يمسها أحد غيري..”
وكان الاغتصاب، اغتصاب البتول والحمل غير الشرعي وما يسمى بفضيحة الشرف..
وتنكسر البتول..أول فتاة من الكاريان تحصل على شهادة ابتدائية.
على طول الرواية ترافقنا حكاية اغتصاب البتول،من خلال مجموعة مقاطع سردية صغرى، يحمل كل مقطع رقما، فكان مجموع المقاطع أربعة وأربعون مقطعا، تؤثث فضاء الرواية وتجعل القارئ يغوص في الواقع المغربي من خلال أحداث وشخصيات واقعية، لكن الكاتب يعيد إنتاج الواقع بأسلوبه الخاص بما يحمله هذا الواقع من تراكمات وتناقضات..
يقول محمدصوف:” وبالعودة إلى الرواية أشير هنا إلى أن جميع شخصياتها تتسم بكونها شخصيات يمتزج فيها الواقعي بالمتخيل، أي أن الكاتب هنا قام ببعض الروتوشات على هوية هذه الشخصيات، حتى يحقق فعلُ الحكي مرماه، بينما حافظت الرواية على الخصوصية التاريخية للأحداث والوقائع. “
عمل الكاتب في الرواية على رصد سلوكات الناس وتفاصيلهم اليومية، واصفا تارة ومنتقدا تارة أخرى. مع رصد الفوارق الاجتماعية الصارخة،ناهيك عن الفقر والتحرش والدعارة دون إغفال الإشارة إلى
انطلاق شرارة المقاومة من الكاريان سنترال معقل النضال والمقاومة.
يلمس القارئ حضور الذاكرة البيضاوية بوضوح بين ثنايا السطور من خلال مجموعة من الرموز الموشومة في ذاكرة البيضاويين بما لها من حمولة غنية وما لها من رمزية مكثفة، من قبيل سينما السعادة..ملعب الطاس والمؤسسون( عبد الرحمان اليوسفي ،عبد السلام بناني والعبدي ) درب مولاي الشريف والشابو..”مجموعة ناس الغيوان وصوت بوجميع الفريد”
ظاهرة الاغتصاب طالت الفتيان أيضا، كما هو الحال بين ولد اغضيفة ومسعود. لكنها تظل في خانة المسكوت عنه حتى بالنسبة للأسرة..
من البداية إلى النهاية كانت البتول حاضرة، من حادثة الاغتصاب إلى الحادثة التي أودت بحياة الطفل، وكأن القدر حسم الأمر بالتخلص منه وإقبار ما سمي بفضيحة الشرف.. “البتول تندب. تشق ثوبها. تصرخ حتى اختفاء الصوت.
ماذا حدث؟
الطفل، قال أحد الجيران. حادثة سير..”
