مكسب مُدار

مكسب مُدار

سائر خلف خطى الحكمة

منير لكماني: 24/08/25 ألمانيا
منذ أن فتح الإنسان عينيه على الحياة، وجد نفسه في مواجهة مواقف يضطر فيها إلى الموازنة بين حاجاته وحاجات غيره. ومن هنا وُلد فن التفاوض، لا بوصفه علماً نظرياً جامداً، بل باعتباره مهارة حياتية تُمارس في تفاصيل يومية لا ننتبه لها أحياناً. نحن نتفاوض عندما يطلب الطفل من والده فسحة أكبر للعب، فيوازن الأب بين المسؤولية والحنان. ونتفاوض حين تسعى الأسرة لتوزيع المهام المنزلية بما يرضي جميع أفرادها. ونتفاوض في الأسواق الشعبية حين يعرض البائع سلعة بسعر، ويقابله المشتري بعرض أقل، ثم ينتهي الأمر باتفاق يرضي الطرفين.
إن التفاوض ليس مجرّد أداة سياسية بين الدول، ولا مجرد مهارة إدارية في قاعات الاجتماعات؛ بل هو لبنة أساسية في بناء العلاقات الإنسانية. إنه تلك الشعرة الدقيقة بين التعاون والتنافس، بين العقل والعاطفة، بين المنطق والمشاعر. ومن هنا، فإن إدراكنا لجوهره يساعدنا على تحسين جودة حياتنا، ويمنحنا قدرة على إدارة مواقف معقدة بحكمة ومرونة.
لغة التفاهم
حين نتأمل حياتنا نجد أن المفاوضات لا تفارقنا، فهي تلازمنا في البيت والعمل والشارع. في الأسرة مثلاً، نرى التفاوض يتجلى حين يتشاور الإخوة حول مصروف البيت أو ترتيب السفر. وفي العمل، يضطر الموظف إلى التفاوض مع مديره حول ساعات إضافية أو ترقية مستحقة. وحتى في أبسط المواقف، كشراء خضروات من السوق الأسبوعي، يفتح التاجر الباب للزبون كي يساومه، وهما معاً يعرفان أن الهدف ليس “الانتصار” وإنما الوصول إلى نقطة توازن: سعر مقبول للبائع ومريح للمشتري.
هذه المشاهد اليومية تؤكد أن التفاوض ليس أداة نخبوية، بل مهارة فطرية يطورها الإنسان بتجربته. وكما أن الزواج لا يقوم على مبدأ الفائز والخاسر، فإن التفاوض الحقيقي لا ينتهي بانتصار طرف على حساب الآخر، وإنما بخلق مساحة يربح فيها الجميع.
الزاد الباطن وسر الغلبة
من أهم القواعد التي يؤكدها خبراء التفاوض أن قوة المفاوض تقاس بمدى جودة البديل الذي يحمله في جعبته. فالتلميذ الذي يفاوض والديه على قضاء عطلة في مدينة معينة، يصبح موقفه أقوى حين يعرض بدائل منطقية ومدروسة: “إن لم نسافر إلى طنجة، فهناك خيار تطوان أو الحسيمة”. وكذلك التاجر المغربي الذي يمتلك شبكة موردين واسعة، يجد نفسه في موقع أقوى من منافسه الذي يعتمد على مصدر واحد.
إن امتلاك البديل لا يعني التصلب، بل يحرر المفاوض من ضغط الحاجة ويمنحه مساحة أوسع للمناورة. في التجربة المعاصرة، نرى أن أصحاب المشاريع الناجحة هم من يدخلون مفاوضاتهم مستندين إلى أكثر من خيار، فلا يعلقون مصيرهم بفرصة واحدة، بل يوسعون دائرة إمكاناتهم.
وهج العبارة
في الأسواق قد يسبق البائع عباراته التجارية بقول: “مرحبا بك، الدار دارك”. هذه الكلمة البسيطة تفتح باباً من الألفة، وتجعل الزبون يشعر بالراحة. فالناس بطبيعتهم يتأثرون بالمشاعر قبل أن يستجيبوا للمنطق. لذلك، فإن التفاوض ليس مجرد عرض للمعطيات والأرقام، بل هو بناء لجسور الثقة.
كثيراً ما تنجح الكلمة الطيبة فيما يفشل فيه الدليل العقلي. قد يحاول موظف إقناع مديره بزيادة راتبه عبر عرض إنجازاته بالأرقام، لكن ابتسامة صادقة وكلمات امتنان قد تذيب الحواجز وتفتح الباب لتفاهم أعمق. وهذا ما يجعل التفاوض فناً، لا علماً جامداً؛ لأنه يعتمد على توازن بين العقل والقلب.
التفاوض الصامت
ليس الحوار كلاماً فقط، فالجسد يتحدث بدوره. في المجالس، يقرأ الناس بعضهم بعضاً من خلال نظرات العيون وحركات الأيدي. احتضان الشخص لمقتنياته قد يدل على شعوره بعدم الأمان، بينما ملامسته لذقنه إشارة إلى أنه يفكر في اتخاذ قرار. أما هز الرأس إلى الأمام، فهو دلالة على التصديق والقبول.
إن المفاوض الذكي يقرأ هذه الإشارات الخفية كما يقرأ الكلمات. في السوق أو في مكاتب الإدارة، يحدد نجاح المفاوض في كثير من الأحيان بقدرته على فهم ما لا يُقال، أي تلك الرسائل الصامتة التي تحملها الأجساد.
قيد العطايا
يقال في المثل : “اللي بغا الخالص، يتسلف وما يخلص”، وهي حكمة تختزل معنى جوهرياً في التفاوض: ما يُعرض مجاناً قد يخفي وراءه تكلفة غير مرئية. لذلك، ينصح الخبراء بعدم قبول ما يُمنح دون مقابل، لأنه قد يكون مرتبطاً بالتزامات مستقبلية أو تبعية غير معلنة.
في الحياة اليومية، يدرك الناس أن المجانية غالباً ليست سوى واجهة لشيء آخر. فمن يقبل خدمة بلا ثمن قد يجد نفسه لاحقاً مطالباً برد جميل أثقل من الكلفة الأصلية. لهذا، يشكل الحذر من “المجاني” جزءاً من أخلاقيات التفاوض السليم.
إن فن التفاوض ليس مجرد مهارة مهنية يتقنها الساسة ورجال الأعمال، بل هو مدرسة حياتية شاملة. هو أسلوب في التفكير والتواصل، وأداة في حل الخلافات، وميزان يزن به الإنسان خطواته قبل أن يقدم على قرار. وقد علمتنا التجربة أن النجاح في التفاوض لا يقاس بربح صفقة أو تمرير فكرة، بل بقدرتنا على الخروج من الحوار ونحن نشعر أننا كسبنا احترام الطرف الآخر، وأن العلاقة باقية مهما اختلفت المواقف.
يبقى السؤال: هل نُدرك كأفراد في حياتنا اليومية أن التفاوض هو السبيل الأرقى لتجاوز خلافاتنا؟ وهل نعلّم أبناءنا أن المساومة ليست ضعفاً، بل حكمة؟ وهل نملك من الشجاعة ما يكفي لنجعل من طاولات التفاوض فضاءً للتعاون بدلاً من أن تكون ساحة صراع؟ وهل نستطيع أن نجعل من تجاربنا اليومية في الأسواق، وفي البيت، وفي مقر العمل، دروساً تُنمّي فينا مهارة التفاوض بدل أن تزرع فينا نزعة الغلبة؟

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com