قصة قصيرة: للكاتبة اليمنية بلقيس الكبسي

قصة قصيرة: للكاتبة اليمنية بلقيس الكبسي

“الجهة الخامسة بين الصمت والهمس”

كلما ضاق العالم بالأصوات، اتسعت دواخلنا فجوة لا تشبه الصمت، ولا تشبه الضجيج. شيء ما يتكوّر في أعمق نقطة فينا، أحيانا قد لا نستطيع تسميته، قد تخوننا اللغة في انتقاء مسميات تليق به، لكن له وقع حاد، يصيبنا بحالة ارتباك كما لو كنا على منصة اعتراف لأول مرة. فعندما تضيع الكلمات ولا يسمع إلا اصداؤها، نبدأ نفتّش عن جهة خامسة لا تُرى، لا تُسمع، ولا يمرّ بها أحد، ولا يعرفها أحد سوى الذين انكسروا دون أن تُسمع أصواتهم. من الجهة الخامسة تبدأ رحلتنا التي نجتازها بقدمين حافين على جمر الوعي، تلك الرحلة ليس لها طرق معبدة، طرقها فراغ مشعّ، يشبه صمتنا أكثر مما يشبه ثرثرة العالم.

ونحن نقطع المسافات المنزوعة من خرائط الصوت نحو الجهة الخامسة في ذواتنا، تلك المخبّأة بين شهقة الصمت وزفرة الهمس، يولد فينا شعور خافت، لا تجرؤ الكلمات على وصفه، في تلك المسافة المعلّقة كخيطٍ رفيع بين الحلم والحقيقة، نصغي لصمتٍ كُتبتْ كلماته بلا حبر. الجهة الخامسة هي الجهة التي لا يدركها سوى من ارتدى روحه وعبر بها خنادق الضجيج، وتخلى عن حاجته إلى الكلام، حيث لا يُسمع سوى ارتعاش الفكرة وهي جنين في رحم البوح، حيث الوجع لم يُسمّ بعد، والحبر في أنقى هيئة له، وهو مكتمل بالصمت. في الجهة الخامسة الأصوات مازالت تجتاز دروب الوصول، والحروف على العتبة تنتظر الإذن ليتسنى لها الدخول.

في الجهة الخامسة الوقت يمر بلا عقارب، والذات تنفصل عن ثقلها المادي لتصبح إشراقةً من المعاني، هناك الأسئلة لا تنتظر أجوبة، بينما الذكريات تتماهى مع الحنين الذي لا نستطيع أن نُخفيه، بل نسمح له أن يتسلل من نوافذ القلب دون إذن مسبق.

في الجهة الخامسة يتحوّل الغياب إلى كائن حيّ، يجلس بجوارنا، وينظر إلينا بدهشة وكأنه يعرفنا منذ زمن. في تلك المساحة الخفيّة لا نكتم الألم، بل نُصغي لوقع خطواته وهو يعبر حافيًا في دهاليز أعماقنا. هناك كل ما نخشاه يخرج من مخبئه، لا ليؤذينا، بل ليمنحنا فرصة جديدة لرؤية أنفسنا كما لم نراها من قبل.

الجهة الخامسة ليست وطنًا ولا منفى، بل نقطة انكسار طبختنا على نار هادئة ونضجت فينا بهدوء. الجهة الخامسة هي المدى الذي نلجأ إليه حين تتعب حواسنا، ويتثاءب عقلنا، هناك، تنطق الأشياء بأسمائها البكر، ترتدي شكلها الأول، نقية، واضحة، بديهية، طبيعية بلا أقنعة.

الجهة الخامسة هي جهة من عبرها لا يعود كما كان، يخرج منها وهو يحمل صوته بين ضلوعه لا على لسانه. الجهة الخامسة لا تكتب كلماتها بالحبر، بل بالصمت، مشاعرها أيضا صامتة عند الحب والسعادة تلتزم الصمت لأنها لا تحتاج إلى أن تتحول إلى ترند أو إعلان مدفوع الثمن، وعندما تحزن لا تمارس الشجب والندب. بل تلتزم الصبر والصمت، هناك فقط، نفهم أن أقسى ما في الحياة قد لا يُقال، وأجمل ما فينا يُرى أفعالاً أكثر من الأقوال.

الجهة الخامسة تكمن بين الصمت والهمس، حيث نكون نحن دون الحاجة إلى أن نقول: ها نحن. الجهة الخامسة ليست نهاية، بل بداية غير معلنة، عندما نخرج منها، لا نلوّح لأحد، ولن نبحث عن تصفيق. سنكتفي بأن نسمع أنفسنا لا بصوتها، بل بهمسها وارتجافها. لسنا بحاجة لأن نفهم كل ما يدور في ضجيج العالم، لسنا بحاجة للكلام. سنكمل السير باكتفاء. ونحن نحمل بداخلنا جهةً لا خارطة لها، نبتسم كلما صمتَ العالم من حولنا لبضع ثوان، لكن العالم لا يصمت أبداً؛ لأنه لا يتقن الصمت ولا يعترف به، لكننا نعي تماماً أن الصمت الحقيقي ليس غيابًا، بل هو العودة الحقيقية لاعتناق الجهة الخامسة.

* د. بلقيس الكبسي

(صحفية | كاتبة | شاعرة | روائية | صانعة محتوى أدبي)

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com