حين تصمت القيم
حين يضيع الإنسان بين المنفعة والواجب !

أزمة القيم:
في زمنٍ كثرت فيه المنافع وقلّت المواقف، وتعاظمت فيه الحِيَل وتضاءل فيه الحياء، تُوشك القيم أن تُمحى كما يُمحى أثر الخطى على الرمل حين تهبّ ريح المصالح. لم نعد إزاء انحرافات فردية أو تصرفات شاذّة، بل نحن في عمق أزمة تُصيب تصوّر الإنسان لذاته، ولمعنى الخير الذي يُفترض أن يسكن فعله وقوله ومواقفه.
لقد اختلّت البوصلة، لا لأن الإنسان فقد القدرة على التمييز، بل لأن المقاييس تغيّرت. لم يعُد الخير خيرًا لذاته، بل لما يجلبه من نفع. ولم يعُد الصواب صوابًا، إلا إذا صفق له الجمهور أو زكّته المصلحة. هكذا تراجعت القيم، لا بصخبٍ فجّ، بل بصمتٍ زاحف، تآكلت فيه المعاني، وتراجعت الواجبات، وصار الحق نسبيًّا، يُعاد تشكيله بحسب الطلب.
متى تنهار القيم؟
حين يغدو الفعل مرهونًا بجدواه، وحين يُقاس الخير بما يدرّ من فائدة، تكون بداية الانهيار. فالسؤال الذي يتردد في أذهان كثيرين اليوم لم يعد:
هل هذا صواب؟ بل: ماذا سأجني من هذا؟.
حين تُختزل الأخلاق في عواقب الأفعال، ويُجعل للنية ثمن، وللنزاهة مقابل، تصبح القيم أثاثًا خطابيًّا، لا جوهرًا معيشيًّا. إن الخير لا يُعرّف بمآلاته، بل بحقيقته في ذاته؛ هو نور لا يُقاس، ولا يُبرَّر، بل يُمارَس.
من “حشومة” إلى الحياد البارد
في ذاكرة المجتمع المغربي، كانت القيم حيّة، تسكن الكلمات، وتُورث مع الأمثال، وتُعلَّم بالصمت كما تُعلَّم بالكلام. “حشومة”، “النية”، “الستر”، “التعاون”، “العيب”… كلها كانت مفاهيم حية، لا تحتاج إلى شرح، بل يكفي أن تُقال، فتقوم السلوك وتضبط الضمير.
لكن مع تقهقر الجماعة، وصعود الفرد كمركز وحيد للقرار، بدأت القيم تتلاشى من المشهد العملي، وباتت المنفعة تُسوَّق كذكاء، والانتهازية تُسمَّى فطنة، واللامبالاة تُعدّ حيادًا.
ومن الشواهد التي تكشف تصدّع القيم، مشاهد تتكرر في تفاصيل الحياة اليومية: خطأ جَليّ يقع أمام أعين الناس، فلا يجد من ينهى عنه أو يعبّر عن رفضه، لا خوفًا فقط، بل أحيانًا لامبالاةً أو استسلامًا لفكرة أن الأمر لا يعنيني. لا يُستغرب وجود الخطأ في مجتمع من البشر، لكن ما يُنذر بالخطر هو حين يفقد المجتمع حسّه الفطري بالاعتراض، ويُصاب ضميره الجمعي بالخمول. إن الصمت عن السوء، حين يصبح عادة، ليس حيادًا، بل تواطؤ صامت يُسهم في تآكل القيم من الداخل
الأخلاق: امتداد للضمير، وتجلٍّ للإيمان
في السياق الحضاري الذي ننتمي إليه، لا يمكن تصور القيم بمعزل عن الدين، ولا فصل الأخلاق عن الوحي. فالدين ليس مجرد منظومة عبادات، بل هو مشروع تربوي وأخلاقي قبل كل شيء، يُعلّمنا أن الصدق عبادة، وأن الحياء شعبة من شعب الإيمان، وأن الرحمة بالخلق من أسباب الرحمة بالخالق.
القيم ليست أهواءً ذاتية، ولا قوانين نفعية، بل هي استجابة واعية لنداء الضمير الذي صاغه الوحي في وجدان الإنسان. من هنا، فإن الأخلاق عندنا ليست اختيارات حرّة في الفراغ، بل هي التزام نابع من الإيمان، ومُفعم بالنية، ومحكوم بمقاصد العدل والرحمة والإحسان.
وإذا كانت بعض الفلسفات قد دعت إلى استقلالية الأخلاق عن الدين أو العلم، فإن تجربتنا الحضارية تدلّنا على أن أرقى أشكال السلوك الإنساني هي تلك التي تتجذر في الإيمان، وتثمر في المعاملة، وتُثمر خيرًا للإنسان في الدنيا والآخرة.
نماذج تُنير، وأخرى تُنذِر
لسنا في زمنٍ انطفأ فيه الضمير تمامًا، بل في زمنٍ تقلص فيه حضور القيم في الخطاب العام، وبقيت تُمارس في الصمت. من أستاذ رفض تزويرًا، إلى عاملة نظافة أعادت مالًا دون أن يراها أحد، إلى شاب يعين مهاجرين بلا مقابل… هؤلاء ليسوا أبطالًا من ورق، بل شهود صدق على أن الخير لا يزال يطرق الأبواب، وإن بصوت خافت.
وفي الجهة الأخرى، لا تغيب الأمثلة التي تُنذر: مسؤول يشرعن الرشوة ويسميها “إكرامية”، شاب يتباهى بكسر ملك عام، إعلامي يروّج للتفاهة باسم الحرية… هذه ليست جرائم أخلاقية فحسب، بل أعراض لفراغ في المرجعية، وغياب في المعيار، وتشظٍّ في الضمير.
وصفة إنقاذ: إحياء لا استيراد
الحل ليس في الرجوع إلى الوراء، ولا في التحليق في المثاليات. بل في بعث المعاني الكبرى للقيم بمعجم معاصر ومسؤول، يليق بعصر العقل دون أن ينكر جذور الروح. وذلك يقتضي:
1. إعادة تثبيت الخير كقيمة لا تحتاج إلى مقابل، ولا إلى تفسير.
2. تربية الأجيال على المسؤولية، لا عبر التلقين، بل عبر الممارسة، والمثال الحي.
3. بعث الحس الجماعي في المجال العام، حيث لا يكون الإنسان متفرجًا، بل راعيًا للغير.
4. استعادة البلاغة الأخلاقية في الإعلام، والفن، والفضاء الرقمي، لا بوصفها موعظة، بل باعتبارها أفقًا للكرامة الإنسانية.
القيم لا تموت… بل تُهمَل
القيم ليست زينة في واجهات الخطاب، بل أصل تُبنى عليه الحضارات، وتُصان به الكرامات، وتُستعاد به الثقة في الإنسان والمجتمع.
إنّ بلادًا لا تنفصل عن جذورها، قادرة على أن تبتكر أخلاقًا حديثة لا تنكر أصالتها. فلسنا بحاجة إلى استيراد منظومات، بل إلى استعادة ما فينا من ضوء، وفهمه فهمًا معاصرًا يرقى بالفعل، ويهذب الغاية.
القيم لا تُدرَّس فقط، بل تُستعاد حين نعيشها، ونشهد لها… بأفعالنا.
23/06/25 ألمانيا
