أصدقاء المغرب
رفيق كفاح المغرب العربي…
شارل¬ اندري جوليان 1891-1991

لا يمكن أن نتحدث عن الكتابات التاريخية النزيهة التي كتبت عن المغرب العربي دون أن نذكر شارل اندري جوليان Charles-André Julien، ولا يمكن أن نتحدث عن الشخصية الفرنسية التي ارتبطت بصداقات متينة وصادقة مع كافة زعماء شمال إفريقيا، منذ وقت طويل قبل الاستقلالات وبعدها، دون أن نذكر شارل¬ أندري جوليان. بدأ ارتباط هذا المؤرخ الفذ بشمال إفريقيا منذ سنة 1906 حين انتقل أبوه إلى مدينة وهران للعمل في إحدى الثانويات، وهناك سيبدأ تعرفه على الواقع الاستعماري الذي يقوم على الاستعباد والقهر والإقصاء وإلغاء الآخر في هويته وتقاليده وعاداته ولغته .
مشاهداته في الجزائر جعلته يصطدم بواقع يتناقض تمام التناقض مع ما تربى عليه في أسرته البروتستانتية من رفض الخضوع وكراهية اضطهاد الآخر والتشبث بقيم العدالة الاجتماعية التي يؤمن بها صديق العائلة جان جوريس الزعيم الاشتراكي الكبير. ومنذ شبابه ارتبط النضال الاجتماعي لدى شارل¬ أندري جوليان بالنضال في الجزائر وتونس. دخل ميدان السياسة حين انتخب مستشارا ببلدية وهران”1923-1920″ .
انخرط في الحزب الاشتراكي وعمره 19 سنة، وحين انقسم هذا الحزب في مؤتمر تور Tours سنة 1920 إلى تيار اشتراكي وآخر شيوعي، انضم شارل¬ اندري جوليان إلى التيار الشيوعي وشارك في الوفد الفرنسي للحزب لحضور مؤتمر الأممية الثالثة في موسكو سنة 1921، وهناك التقى لينين وتروتسكي وغيرهما من القادة السوفيات. في هذا المؤتمر سيلقي جوليان خطابا عنيفا ضد الاستعمار وضد الهيمنة الإمبريالية يطالب فيه بحق الشعوب في الحرية والكرامة، وكان خطابا بليغا لم تستطع رئاسة المؤتمر أن تقطعه، رغم أنه تجاوز الخمس دقائق المسموح بها، وقد أعجب به لينين لدى سماعه، في وقت لم يكن فيه الاشتراكيون ولا الشيوعيون يهتمون بمسألة تحرر الشعوب ، والنضال ضد الاستعمار.
بعد عودته إلى باريس يكتب تقريرا عن مشاهداته في الاتحاد السوفياتي، عن المجاعة التي تعصف بالكثير من المناطق وعن التعسف الذي يمارسه الجيش الأحمر في العديد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي، تقرير أراده شارل¬ اندري جوليان أمينا وصادقا ولكن رئاسة الحزب رفضت نشر هذا التقرير.ومع تزايد خلافاته مع الحزب ، يقطع مع الشيوعيين ليتفرغ لعمله في التدريس وفي الصحافة اليسارية وفي البحث العلمي، حتى أصدر كتابه الأساسي الأول”تاريخ إفريقيا الشمالية منذ البدء حتى سنة 1830″، وقد نشر جوليان هذا المؤلف سنة 1931 في وقت كانت فيه فرنسا مازالت تحتفل باليوبيل المئوي لاحتلالها الجزائر بنوع من الفخار الوطني والعجرفة واحتقار مشاعر أهالي البلد الأصليين، فكان هذا الكتاب نوعا من رد الاعتبار لتاريخ السكان الأصليين الذين كانت لهم هويتهم ودولهم القوية وسيادتهم، وتمتعوا لقرون بحريتهم واستقلالهم قبل أن يغتصبها المحتل بدءا من سنة 1830.
يعود جوليان لينخرط في الحزب الاشتراكي، وبعد نجاح الجبهة الشعبية في الانتخابات سنة 1936، يعينه ليون بلوم Blum كاتبا للجنة العليا لشؤون البحر المتوسط وشمال إفريقيا، وهي مكلفة بتتبع قضايا المستعمرات الفرنسية في هذه المنطقة، ويلعب جوليان دورا مهما في جعل الحكومة تصغي لمطالب رجالات الحركة الوطنية في شمال إفريقيا. لكن هذه التجربة لم تعط ثمارها، وانقطع حبل التواصل مع انقضاء تجربة حكومة الجبهة الشعبية التي كان يقودها الاشتراكيون، لكنه استفاد كثيرا من عمله داخل هذه اللجنة، فقد عرف كثيرا من الملفات المتعلقة بشعوب المستعمرات، وأصبحت لديه رؤية شمولية لقضايا المنطقة، إضافة إلى ربطه علاقات مع العديد من القادة السياسيين وخاصة منهم المغاربة.
يتفرغ جوليان بعد الحرب العالمية الثانية إلى البحث العلمي والتدريس في العديد من المؤسسات الجامعية : السوربون، المدرسة العليا للإدارة الاستعمارية، معهد الدراسات السياسية…وتزداد فرصة اللقاء مع شباب الحركة الوطنية الذين تخرج الكثير منهم على يديه، ويساهم بدوره في الجهود المبذولة لإلغاء معاهدة الحماية واستعادة الحرية. في رسالة بعثها المرحوم عبد الرحيم بوعبيد إلى شارل -اندري جوليان سنة 1963 يقول فيها :”هل يمكن أن أنسى أن أول بيان يقر بأن الحل الدائم للمشكلة الفرنسية ¬المغربية هو في إلغاء معاهدة الحماية، وهو بيان حررته أنت نفسك سنة 1946 بمشاركة جان دريش وبلاشير والمرحوم سوفاجي Sauvaget، وكان ذلك بتنسيق مع رجالات الحركة الوطنية،” من ضمنهم المرحوم عبد الرحيم. الحركة الوطنية المغربية استفادت أيضا من علاقات جوليان الواسعة مع رجال السياسة الفرنسيين، حين تدخل لدى المقيم العام الجديد إريك لابون لإطلاق سراح الزعماء المنفيين منذ سنة 1937 علال الفاسي في الغابون، وبلحسن الوزاني في جنوب المغرب، وسيتم انتخاب جوليان في مجلس الاتحاد الفرنسي، وعلى منبره كان يثير انتباه المسؤولين إلى الممارسات القمعية التي تمارس في المستعمرات، وما يشكله ذلك من مخاطر على مصالح الشعوب بما فيها الشعب الفرنسي. وقد جسد تحذيراته هذه في كتابه الشهير “إفريقيا الشمالية تتحرك” L’Afrique du Nord en marche »، الذي كان له وقعه القوي على الأوساط السياسية والثقافية.
بعد استقلال المغرب سيعهد إليه المغفور له الملك محمد الخامس إنشاء وتنظيم أول كلية للآداب بالمغرب وسيتولى عمادة الكلية من سنة1957 حتى 1960، حاول خلال هذه المدة أن يرسخ التقاليد الرصينة الموروثة من الجامعات الفرنسية.
يعود جوليان إلى فرنسا ليتفرغ للبحث العلمي ويصدر عدة كتب عن المغرب العربي : الجزائر وتونس، ويخص المغرب بكتاب أصدره سنة 1978 بعنوان “المغرب في مواجهة الإمبرياليات” قضى في تأليفه ما يقرب من خمس سنوات، ويعتبر صرحا مهما في تاريخ المغرب المعاصر، استفاد في تأليفه مما تجمع لديه من وثائق غزيرة بحكم المهام التي تقلدها، والعلاقات التي ربطها مع القصر ومع الزعماء الوطنيين، وأيضا مع مختلف المسؤولين الفرنسيين من صانعي القرار، سواء في باريس أو في المغرب، فكان كتابا شاملا يتميز بغنى الوثائق والمعلومات، إضافة إلى نزاهته الفكرية وموضوعيته في معالجة القضايا.
بعد استقلال المغرب سيقول في حقه المغفور له محمد الخامس ” إنه الصديق الفرنسي الذي طالما عمل من أجل تحرير المغرب” ويوشحه بالوسام العلوي، وحين أهداه صورته الفوتوغرافية، كتب عليها : “إلى صديقنا المؤرخ شارل¬ اندري جوليان، تقديرا لنزاهته الفكرية وإخلاصه للقضية المغربية”.
