المبدع راضي علوش في حوار حصري ل- ألوان-
أجد نفسي في الشعر أكثر…
حاورته:
زهرة منون ناصر
الأديب اللبناني راضي علوش: شاعر، روائي، ومترجم، يكتب باللغتين العربية والفرنسية، من أعماله الأدبية: جزيرة النسيان (مجموعة أقاصيص)؛ وجبران والحداثة؛ ورباعيات في الحب (ثلاثة أجزاء). وله روايتان: بين الحين والحين وخواء.
ارتأت جريدة ألوان أن تنجز حوارا حصريا مع الشاعر علوش تحدثنا فيه عن مساره الإبداعي وتجولنا معه عبر هذه المحطات الجميلة والتي يتقن عبرها فن الرقص البهي مع القصيدة دون أن يغيظ الرواية أو يقلق القصة القصيرة، أو يزعج الترجمة… إنه المبدع الذي وفق بين الجمع بين الأربعة فنون بتوازن الحكيم، والعدل بينهن…
تابعونا لتكتشفوا المزيد من خلال حديثنا الممتع مع الكاتب راضي علوش..
ولوج عـالم الكتابـة الإبداعية…ما الكتابة في نظركم وتجربتكم أستاذ؟
الأدب تعبير بالكلمة عن الإحساس بالجمال الذي يولّد في النفس رغبة ملحّة تدفع بصاحبها إلى تجسيد تجربته الشعورية بطريقة تشعره بلذة فنّيّة تتجاوز بطبيعتها الإطار الماديّ المحسوس. وهذه اللذة التي يحسّها الكاتب تتفاوت في تأثيرها في نفس صاحبها بمقدار ما يحدثه التعبير من تأثير في نفوس المتلقّين. أما الإبداع فهو جوهر الفن وأساسه. إنّه الخلق الجديد الذي يتجاوز المألوف. هو الجِدّة التي تثير الدهشة الغامرة التي تفعل في النفس فعل السحر والانخطاف.
تجربتي الفنية الأولى كانت مع الشعر الذي جذبني إلى عالمه فرحت أنظمه محاكياً فيه ما يروق لي من شعر الكبار محتفظاً بما أنظمه إذ لم أعمد إلى النشر إلّا بعد حين.
عن البدايات يحكي لنا الشاعر راضي
كانت البدايات مع الشعر القومي الملتزم بقضايا الأمة والوطن وفي طليعتها قضية فلسطين السليبة وما لحق بأهلها من ظلم وجور. وكان من الطبيعي أن أتفاعل أيضاً مع شؤون الناس والمجتمع دون إغفال لشؤون الذات وما يدور في فلكها من تجارب وانفعالات شتي.
أول ديوان شعري أصدرته حمل عنوان رياح ورياحين (2006) ثم تلاه رقاق غزل ليستحوذ على اهتمامي بعد ذلك شعر الرباعيات الذي وجدت فيه ما ينسجم مع توجّهي في الشعر إلي التعبير الموجز المكثّف الذي يغني عن التفصيل والتطويل. أصدرت على التوالي “رباعيات في الحب” في ثلاثة أجزاء من الرباعيات وثمة جزء رابع ينتظر الطباعة والنشر.
وننتقل للحديث مع ضيفنا عن عالم الكتابة الروائية ليضيف ما يلي:
أما فن الرواية فلم يغب عن اهتمامي لما فيه من شموليّة ذات جماليّة متعددة الوجهات والأساليب وقد تمثلت تجربتي الأولي في مجموعة من الأقاصيص حملت عنوان : جزيرة النسيان ليتلوها بعد ذلك إصدار رواية “بين الحين والحين” ثم رواية : “خواء” التي صدرت مؤخراً.
أجد نفسي في الشعر أكثر مما أجدها في أي فن آخر لكنّ ذلك لا يحدّ من اهتماماتي في تقصّد الفنّ بصرف النظر عن وجهته ومساره ما دمت أحقق فيه غرض المتعة الفنّيّة.
مجال الأبحاث ضمن اهتماماتك؟
على صعيد الكتابة البحثيّة توزّع اهتمامي على محورين اثنين انسجاماً مع تحصيلي الجامعي الذي جمع بين اختصاصين اثنين: الآداب والحقوق فكان إصداري لكتاب جبران والحداثة سنة 2008 وكتاب أحسنت يا مرجانة وهو مجموعة نصوص وجدانيّة شتّى.
عالم الترجمة بفرنسا بلد الإقامة:
كان اهتمامي المبكر باللغة الفرنسية مدخلاً إلى ولوج عالم الترجمة والكتابة البحثية باللغة الفرنسية التي أصدرت بها كتابين اثنين وذلك بعد انتقالي منذ سنوات قليلة إلى فرنسا للإقامة فيها؛ الأول منهما يتناول القانون الطبيعي وهو يحمل عنوان :“Le droit naturel de l’amont à l’aval”
أمّا الثاني فهو يتناول موضوع الموت الرحيم وعنوانه:”L’euthanasie- un débat sans limites”
كما أنني اهتممت بفن الترجمة منذ بداية تعليمي الأكاديمي مدرّساً إياه إلى جانب تدريسي للغتين العربية والفرنسية وآدابهما. من أبرز ما قمت به على صعيد الترجمة نقلي إلى العربية كتاب:Les shismes dans Henri Laoust للكاتب l’islam
الغربة وأدب المهجر:
بالنسبة للاغتراب وإقامتي الحالية في فرنسا فإنها ترافقت مع نسج علاقة وثيقة بشعراء المهجر في باريس وفي طليعتهم الصديق الشاعر كاظم عاصي. وهذا ما أتاح لي الإطلالة على الوطن من شرفة الاغتراب الذي ينطوي على الغربة بكل أبعادها ودلاتها النفسية والاجتماعية والفنّيّة.
أما فيما يعود إلى ما يسميه البعض بقصيدة النثر فإنني لا أجاريهم في التسمية لأنّ النثر لا يمكن أن يكون شعراّ نظراً للاختلاف الجوهري بين طبيعتي كل من الشعر والنثر. البعض الآخر يسمي ذلك النوع من الكتابة شعراً حرّاً أي شعراً متفلتاً من الضوابط والقواعد المرتبطة بالشعر في مفهومه التقليدي. وإذا تجاوزنا التسمية فإنّ من الضروري الالتفات إلى ضرورة الاحتفاظ بالمقومات الأساسية التي يقوم عليها الشعر والمتمثلة بالصورة والرمز والإيقاع. وكل كتابة لا تتوفر فيها هذه المقومات مجتمعة لا يمكن أن تكون شعراً. وما نراه اليوم على شبكات التواصل الاجتماعي أو في الصحف فإن أكثره لا يمت إلى الشعر من قريب أو من بعيد.
لا نجد نقداً منهجيّاً متماسكاً يتصل بالشعر الحديث
وعن النقد الأدبي يقول الأستاذ راضي:
لا نجد اليوم نقداً منهجيّاً متماسكاً يتصل بالشعر الحديث وبالحداثة الشعرية، نظراً لاختلاف المواقف والمفاهيم، ولعلّ ذلك يعود إلى ما نشهده من تحولات تعكس المرحلة الراهنة… المتمثلة في بعض التناقضات المفهومية من حيث القبول والرفض، وهذا ما يؤدي إلى عدم الانتظام النقديّ في مجرى نقديّ منهجيّ ثابت.
قصيدة من ديوان ينتظر الطباعة والنشر:
تـتساقـط الأوراق

تتساقط الأوراق لكنْ
من يراها حين تحملها الرياحْ
أو حين تحضن سرّها
تنأى به
عن كلّ عينٍ
لا ترى فيها سوى
عمرٍ تناهى
أو جمالٍ قد ذوى
مسترسلاً مستسلما
مستلقياً في كلِّ ناحْ
من قال إنّ مصيرها
رهنٌ بما تلقاه في حضن الترابْ؟
من قال إنّ حياتها رهنُ الغيابْ؟
من قال إنّ شبابها عـمْـرٌ
وإنّ رحيلها غـمـرٌ
ودنياها سـرابْ؟
في سرّها ما ليس يدركهُ التأملُ
أو يوافيه اقترابْ
إلّا إذا بات الردى
طوعَ المدى
للناظرين إلى الصباحْ
للوافدين بعريهمْ
مثل النجوم اللامعاتِ
ومثل أحلام العذارى السائحاتِ
أو دليلٍ أو حجابْ
فلربّما يكفي العيونَ بريقُها
كيما ترى
ما لا يراهُ المستعارُ
من الممالكِ والمسالكِ والثيابْ
ولربّما عادت إلينا
بعد نأيٍ واغترابْ
كلّ الرؤى
من دون سترٍ أو توارٍ أو ضبابْ
في القلب كانت كلّها
يبقى لها
ما ليس تطويهِ العواصفُ والمنايا
والرياحْ.
