خواطر امرأة

خواطر امرأة

صمت الليل

ثريا الطاهري الورطاسي
      ثريا الطاهري الورطاسي

لليل حكايا لايفهمها إلا من عاشها وسامر فيها وحدته ، وقرأ سِفَْرَ سجونه ، مستحضرا ذكرياته ، معانقا أحلامه بابتسامة لقمر كان قد زين سمائه ذات زمن مضى ، أو تخللتها دمعات أنارت ظلمة سهره ، معلنا عن انطلاقة مسيرة التيه في الفضاء الرحب مع النيازك والشهب فرحا ، أو متابعة للثريا ، عالقا في عوالمها .
في الليل دوما يرهقنا التفكير ، يرمي بنا في أحضان السكون وصمت الروح ، مستحضرين حكايات مضت وأخرى نعيش تفاصيلها ، أفكارا ومشاعير افتقدت جل أوصافها ، فتتفتق الجراح والماسي ، وتسقط ألوية الوجع الناجم عن الرحيل
الفراق ، الإشتياق ، فتطالعنا الوجوه الغائبة ، ونطلقه العنان لمكنونات ذواتنا المثقلة بالمناجاة ، التعب ، التأوه ، فنتوق إلى الأحاديث الشيقة ، الأرواح الكبيرة ، وكل المفقودين ، ترمي بنا إلى الإنكماش في الوحدة والاختلاء ، فنرتشفه رحيق المحبة الخالدة، ونٌسْعَد بتلقي فيض البها، كل ذلك وأنا البعيدة عن دفء الأهل والأحباب ، في خضم زفرات ليلية مليئة بالوحشة ، مطبوعة بتقلبات لامتناهية من الذكريات المشروخة ، تدفع بي إلى التحليق بدون أجنحة في عوالم غريبة صورها ، وترانيمها المصحوبة بضجيج الصمت المستقر في دواخلي الملتهبة لا محالة…

يأتي الليل ليوقض ما تخفيه القلوب المرهقة بالسهر وصولات الأرق ، فيستعصانا التفكير ونتوه بين صمت الروح وأنفاس الهدوء ، فنرتمي فيها أحضان السكون ، الحكايا الماضوية أو المعيشة ، تملأ أفكارنا ومشاعرنا تعسفا ، تبعدها مسافات القرب بين كل الأحباب ، تطالعنا ظلال ووجوه تناسيناها مرغمين بحكم الفقد ، فتعلن عن انطلاق عنان جموح منفلت منا ، أو لايزال إما حبا أو كرها، ونحن في جبروت تلكم الهواجس وتحت وطأة جلالها ، يأتيني صدى القلب مرددا أن الليل هادىء وجميل بحكيه المتدفق ، تمتلكني الروح الشعرية ، لأسألها ذاتي عن حقيقة الغيابات المتتالية، أكتئب لغير ما سبب ، وفي زيارتي الأخيرة للطبيب ، أخبرني – بعد الكشف – بأن مصدره الاضطرابات اليومية المتتالية وافتقاد نعمة النوم ، والشعور بكل التناقضات التي تنتهي لها النفس الأبيةوكأن لاشيء ورائها إلاك أيها الظلام الدامس والشعور المتقطع بالضعف وغياب طمأنينة الاختلاء ، فتنتزعنا لحظاته مجبرين من سكينة الهدوء ووحدانية العزلة ، ونحن المرغمين على استحضار شريط الخبايا المطوحة بنا في مهب الهلوسات ، نحدثها ، نسامرها ، نحاسبها ، معاتبين تارة ومطمئنين إليها أخرى . فلا أجد أي جواب شاف لكل تساؤلاتي المتراوحة يمنة ويسرة ، الجاتمة علي في تنسيق وانسجام تامين ، على استمرارية ألمي ، فتعصاني المقاومة أو الصمود في البحث عنه طريق محو مأزق الأرق ، وانتشالي من عتمته ، أنا المتخبطة في مجرى رياح قضايا لا رابط بينها ، تحج بي من سَفَرٍ إلى آخر فتلاحقني صور أمكنة احتوتني ذات يوم وما زالت ، فأصغى إلى حفيف أوراق شجيرات حديقتي الصغيرة ، وضجيج طائر السونونو… أتطلع الى الأزرق الذي تحركني معه يد القدر في اتجاهات مختلفة ، وكأنه أرجوحة أثير ، وتأخذني مرغمة إلى عوالم من الخواء ، فأنغمس في أرخبيل ليلي لا جغرافية لأنفاسه ولا أمكنة لتاريخه . فكيف لا وهو المثقل بأرقه،حرقته دمعه ، شجون لحظاته ، هدوئه المستفز . يحضرني حنين الأحباب… فأتذكر اللحظات الجامعة بيننا ، وأستعيد رصها ذكريات كل من غادرونا إلى العلياء ، أو فارقناهم مرغمين ، وتتوارى أزمنة الماضي في استرجاعات طوعية ، تمزقه الجدار الضبابي الحاجب عنا كل التخيلات ، فنستعين بالبحث في مخيالاتنا عن أحلام جميلة ، متمثلين أعزة كانوا (ة) يضيئون عتمة ليالينا ، ونتخيلها همسات تحول بيننا وأنين الأرق …. ولا نستفيق إلا ونحن مرتمين في أحضان فجر نقي ، قادم من وراء الشفق ، مصحوبا ببدايات جميلة وشمس مشرقة ، مصبحين على روح قد عادت ونِعَمٍ زادت ، مستمتعين بتلاوة ماتيسر من ” سورة الملك ” ، سابحين في ملكوت الرحمان ، مرددين [ اللهم أنسنا في غربة الليالي وهون علينا كل صعب ، يارب العرش العظيم ] .

ملاحظة للختم :
تبقى خاطرتي هذه من الهلوسات التي تحضرني وأنا أعيش الأشهر الأولى لسنة ميلادية جديدة ، بعد أن ودعت أخرى كانت قاسية مليئة بالتناقضات..

ثريا الطاهري الورطاسي

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com