أبو العريف في زمن الذكاء الإصطناعي
حين صار الجميع خبراء

في زمن الذكاء الإصطناعي، تغيرت علاقة الإنسان بالمعرفة تغيرا كبيرا. لم يعد الوصول إلى المعلومة يحتاج إلى سنوات طويلة أو مكتبات ضخمة؛ فبضغطة زر يستطيع أي شخص أن يسأل عن الطب، والقانون، والهندسة، والصناعة، والحرف. وهذا في حد ذاته تطور عظيم إذا إستعمل بوعي ومسؤولية. لكن المشكلة تبدأ عندما يظن بعض الناس أن الوصول إلى المعلومة يعني إمتلاك الخبرة. هنا تظهر ظاهرة “أبو العريف”، ذلك الشخص الذي يتحدث في كل شيء وكأنه يعرف كل شيء، فتختلط المعرفة السطحية بالثقة الزائدة، وتبدأ الفوضى في الحكم على الناس والأعمال.
من هو أبو العريف؟
أبو العريف ليس بالضرورة شخصا جاهلا، بل قد يكون إنسانا يملك بعض المعلومات المتفرقة. مشكلته أنه يحول هذه المعلومات إلى سلطة، ويتكلم في مجالات لم يدرسها بعمق. تجده طبيبا عند المرض، ومحاميا عند النزاع، ومهندسا عند البناء، وقاضيا عند الخلاف. يتدخل في كل مجال، ويصدر الأحكام بسرعة، ويقلل من قيمة أصحاب الإختصاص. هو لا يسأل ليفهم، بل يسأل ليعارض، ولا يناقش ليتعلم، بل ليثبت أنه الأعلم. ومع إنتشار المنصات الرقمية، وجد أبو العريف مساحة واسعة لعرض آرائه بثقة كبيرة، فصار صوته أحيانا أعلى من صوت الخبير الحقيقي.
الذكاء الإصطناعي بين النعمة وسوء الفهم
الذكاء الإصطناعي أداة نافعة، لكنه ليس بديلا كاملا عن العلم والخبرة والتجربة. يمكنه أن يساعد الإنسان على الفهم، ويقرب له المفاهيم، ويفتح أمامه أبواب المعرفة، لكنه لا يمنح صاحبه شهادة في الطب، ولا يجعله محاميا، ولا مهندسا، ولا قاضيا. فالخبرة لا تصنع من جواب سريع، بل من دراسة طويلة، وتجربة ميدانية، ومسؤولية أخلاقية. المشكلة أن بعض الناس يأخذون إجابة من برنامج ذكي، ثم يتعاملون معها كأنها حكم نهائي. وبذلك يتحول الذكاء الإصطناعي من وسيلة مساعدة إلى مصدر غرور معرفي.
أثر الظاهرة على أصحاب المهن
أصبح كثير من المهنيين يعانون من تدخلات غير علمية في أعمالهم اليومية. فالطبيب يواجه مريضا يدخل عليه وقد شخص حالته مسبقا من الإنترنت، والمحامي يجد من يناقشه في القانون إعتمادا على مقطع قصير أو جواب آلي، والمهندس يواجه زبونا يقيم التصميم والمواد والتنفيذ من خلال معلومات ناقصة، والحرفي أو الصانع يتعرض أحيانا لتشكيك دائم في طريقة عمله وسعره وجهده. هذا لا يعني أن الزبون لا يملك حق السؤال، بل له كامل الحق في الفهم والمراجعة. لكن السؤال شيء، وادعاء المعرفة الكاملة وفرض الرأي على المختص شيء آخر.
الخدمة بين السؤال المشروع والشك المرضي
من حق كل إنسان أن يسأل عن الخدمة التي يتلقاها، وعن الجودة، والسعر، والمدة. فالشفافية ضرورية، وهي أساس الثقة بين مقدم الخدمة والزبون أو المريض أو العميل. لكن الأسئلة تتحول إلى مشكلة عندما تصبح محاكمة دائمة مبنية على سوء الظن. حينها يشعر المهني أن خبرته لا تحترم، ويشعر الزبون أن كل خدمة قد تكون خداعا. وبين الطرفين تكبر مساحة الشك، وتضعف الثقة، وتتراجع جودة العلاقة المهنية. فالعمل الجيد يحتاج إلى كفاءة من جهة، وإلى إحترام متبادل من جهة أخرى.
تقييم الجودة لا يعني إلغاء الخبرة
تقييم العمل أمر مهم، بل هو ضرورة لتطوير الخدمات وحماية حقوق الناس. لكن التقييم يجب أن يكون مبنيا على معايير واضحة، لا على الإنطباع وحده. فليس كل من لم يعجبه السعر خبيرا في الكلفة، وليس كل من تأخر عليه العمل خبيرا في التنفيذ. كما أن الجودة لا تقاس دائما بما يراه الشخص من الخارج، بل بما يعرفه المختص من الداخل. هناك تفاصيل تقنية لا تظهر للعين، لكنها تصنع الفرق بين عمل جيد وعمل ضعيف. لذلك يجب أن نفرق بين حق العميل في الملاحظة، وادعاء القدرة على الحكم في كل تخصص.
نحو ثقافة جديدة للمعرفة
الحل لا يكون برفض الذكاء الإصطناعي أو منع الناس من السؤال والبحث، بل في بناء ثقافة جديدة تقوم على الوعي، والتواضع، وإحترام الإختصاص. علينا أن نستخدم المعرفة الرقمية لنسأل بشكل أفضل، لا لنلغي دور الخبراء. وعلينا أن نفهم أن المعلومة بداية الطريق، وليست نهاية العلم. كما يجب على المهنيين أن يشرحوا أعمالهم بلغة واضحة، وأن يعززوا الثقة بالصدق والجودة. فالثقة لا تفرض، بل تبنى بالتواصل، والوضوح، والإحترام المتبادل.
بين العارف والمتعالم
ظاهرة أبو العريف ليست جديدة، لكنها صارت اليوم أكثر حضورا بسبب سرعة الوصول إلى المعلومات. فالذكاء الاصطناعي منح الناس أدوات قوية، لكنه كشف أيضا مشكلة قديمة: الغرور المعرفي. ليس العيب أن نبحث ونسأل ونتعلم، بل العيب أن نتكلم بلا علم، ونحكم بلا خبرة. المجتمع يحتاج إلى مواطن واع يسأل، لا إلى متعالم يتدخل في كل شيء، ويحتاج إلى خبير محترم يشرح، لا إلى مختص يتعالى على الناس. وبين السؤال المسؤول والجواب المهني تولد الثقة من جديد. أما أبو العريف، فسيظل حاضرا ما دام الناس يخلطون بين امتلاك المعلومة وامتلاك الحكمة.
