في عيد الأب…

في عيد الأب…

أبتي ذهبتَ وأنتَ ما زلتَ بي

عيد الأب

     منير لكماني

في عيد الأب، لا تأتي الكلمات كاملة كما نشتهي؛ تأتي مثقلة بالحنين، مترددة عند باب الذاكرة، كأنها تعرف أن الحديث عن الأب ليس حديثا عن رجل مضى، بل عن ظل ما زال واقفا فينا، وعن يد غابت عن الكتف، لكنها لم تغب عن الطريق.

كل عام والآباء بخير.
كل عام وتلك القلوب التي لا تكثر الكلام، لكنها تحب بعمق.
كل عام للرجال الذين خبؤوا تعبهم في صمتهم، وجعلوا من ظهورهم جسورا نعبر عليها، ومن أعمارهم سقفا يحمينا من قسوة الأيام.

الأب ليس إسما في شهادة الميلاد، ولا صورة قديمة نضعها على الجدار. الأب وطن صغير، وهيبة لا تخيف بقدر ما تطمئن، وكتف حين تميل الدنيا نجد فيه إستقامة الروح. هو الباب الذي كان يخرج صباحا حاملا هم البيت، ويعود مساء وقد ترك نصف عمره في الطرقات، ثم يسألنا كأن لا شيء به: هل أنتم بخير؟

الأب حضن من نوع آخر؛ لا يشبه حضن الأم في دفئه، لكنه يشبه الجبل في ثباته. قد لا يعرف كيف يقول أحبك، لكنه يقولها حين يتعب لأجلك، حين يقلق ولا يبوح، حين يمد يده في صمت، حين يقسو أحيانا لا لأنه لا يحب، بل لأنه خاف أن تكسرنا الحياة إن لم نتعلم الوقوف.

أبتي… ذهبتَ، وأنتَ ما زلتَ بي.
ذهبتَ عن العين، لكنك بقيتَ في الملامح، في نبرة الصوت، في طريقة الصمت، في الخوف على من نحب، في تلك الرجفة التي تسكن القلب كلما ضاقت بنا الدنيا فنتمنى لو نسمع صوتك مرة واحدة يقول: لا تخف، أنا هنا.

يا للأب حين يرحل… يتغير شكل البيت، ولو بقيت الجدران كما هي. يصبح للكرسي فراغ، وللمفتاح وحشة، وللعتبة حنين. أشياؤه الصغيرة تكبر فجأة: معطفه، عطره، مكان جلوسه، طريقته في السعال، خطواته التي كنا نعرفها قبل أن يطرق الباب. كل شيء بعده يصبح شاهدا على أن رجلا عظيما مر من هنا، وترك فينا ما لا تستطيع الأيام أن تمحوه.

لا يموت الأب كله. يموت جسده فقط، أما بقيته فتتوزع فينا: في صبرنا حين نتعب، في صلابتنا حين ننكسر، في نصيحة قديمة لم نفهمها إلا بعد فوات الوقت، في موقف نتصرف فيه مثله دون أن نشعر، وفي لحظة ضعف نرفع فيها أعيننا إلى السماء ونقول: يا رب، ارحم أبي.

أبتي، كم كبرتُ بعدك دفعة واحدة.
كم صرتُ أفهم صمتك الآن، وأفهم تعبك الذي كنت تخفيه، وقلقك الذي كان يظهر في أسئلة بسيطة. كنتَ تسأل عن الطريق، عن العمل، عن الصحة، عن المستقبل… وكنت أظنها أسئلة عابرة، فإذا بها كانت سياجا من حب، ودعاء يمشي حولي دون أن أراه.

أقسى ما في فقد الأب أنك لا تفقد شخصا فقط؛ تفقد ظهرا كنت تتكئ عليه دون أن تدري. تفقد ذلك الشعور الخفي بأن هناك من يقف خلفك مهما حدث، وأن في العالم عينا تراك أكبر مما ترى نفسك، وقلبا يريد لك النجاة حتى لو لم يعرف كيف يزين الحب بالكلمات.

سلام على كل أب ما زال بيننا؛ على من يشقى بصمت، ويخاف بصمت، ويحب بصمت. سلام على من لا يشتكي كي لا يثقل أبناءه، ومن يخبئ وجعه خلف إبتسامة متعبة، ومن يعود آخر النهار حاملا في يديه خبزا، وفي قلبه دعاء، وفي عينيه أملا أن يكون الغد أرحم بأبنائه.

سلام، بحجم الفقد، على الآباء الذين رحلوا.

على الذين تركوا أسماءهم في قلوبنا لا على الأوراق فقط. على الذين غابوا عن الموائد وبقوا في الدعاء. على من صارت صورهم نافذة نطل منها على زمن كنا فيه أكثر طمأنينة، وعلى من لم يعد بإمكاننا أن نقبل أيديهم، فصرنا نرفع أيدينا إلى السماء لهم.

أبتي، لم تكن رجلا عاديا في حياتي. كنتَ جذرا، وكنتَ ظلا، وكنتَ جهة أعود إليها حين تضيع الجهات. علمتني أن الكرامة لا تشترى، وأن الصبر ليس ضعفا، وأن الرجل لا يقاس بما يملك، بل بما يعطي، وبما يتحمل، وبمن يحمي دون أن يطلب مقابلا.

كم تمنيت اليوم أن أراك.
أن أجلس قربك قليلا، أن أسمع نصيحة ربما كنت أضيق بها قديما، أن أقول لك إنني فهمت الآن، إنني عرفت كم كان حملك ثقيلا، وكم كنتَ عظيما وأنت تبدو بسيطا، وكم كنتَ تحبنا وأنت تظن أن صمتك يخفي قلبك.

إلى آبائنا الحاضرين: سامحونا إن قصرنا، وإن ظننا أن وجودكم أمر عادي. سامحونا إن لم ننتبه إلى تعبكم إلا متأخرين، وإن لم نقل لكم ما يكفي: نحن نراكم، نعرف فضلكم، ونحبكم أكثر مما تسمعونه منا.

وإلى آبائنا الراحلين: رحمكم الله بعدد ما تعبتم لأجلنا، وبعدد ما خبأتم خوفكم كي نطمئن، وبعدد ما حملتم من هموم ولم تخبروا بها أحدا. رحمكم الله بقدر ما إشتقنا لأصواتكم، وبقدر ما تمنينا لحظة واحدة نضع فيها رؤوسنا على صدوركم ونقول: تعبنا يا أبي.

اللهم إجعل قبور آبائنا روضة من رياض الجنة، وإجعل صمتهم أنسا، وظلمتهم نورا، ووحشتهم سلاما. اللهم اجزهم عنا خير ما جزيت أبا عن أبنائه، وإجمعنا بهم في دار لا فراق فيها، ولا غياب، ولا وجع.

كل عام والآباء عماد الحياة.
وكل عام وآباء السماء في رحمة لا تنقطع، ونور لا يخبو، وسلام يشبه أيديهم حين كانت تمسك بنا فنطمئن.

14/05/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *