لا شيء يتحقق خارج المساءلة القانونية..

لا شيء يتحقق خارج المساءلة القانونية..

في عالم يشجع الفساد

د. محمد جستي

حين تتشابك المصالح وتتصادم القيم مع الواقع، تصبح المساءلة القانونية ليست مجرد إجراء إداري أو قضائي، بل  حجر الأساس الذي تبنى عليه العدالة، وتصان به المجتمعات من الانهيار. فعندما يغيب هذا المبدأ أو يضعف، يتسلل الفساد تدريجيا إلى مؤسسات الدولة، ويصبح معيار النجاح مرتبطا بالقوة والنفوذ لا بالقانون والكفاءة.
الفساد ليس ظاهرة جديدة، لكنه في بيئات ضعف فيها تطبيق القانون يتحول من سلوك فردي إلى منظومة كاملة. عندها لا يعود الاستثناء هو الفساد، بل يصبح القاعدة، بينما تتحول النزاهة إلى حالة نادرة تحتاج إلى شجاعة استثنائية. وهنا بالضبط تظهر أهمية المساءلة القانونية كآلية توازن تعيد ضبط العلاقة بين السلطة والمسؤولية.
المساءلة القانونية تعني ببساطة أن كل من يتولى مسؤولية عامة أو خاصة خاضعة للقانون، يمكن محاسبته على أفعاله دون استثناء. لكن المشكلة لا تكمن في النصوص القانونية، بل في الإرادة التي تطبقها. فكم من قوانين صارمة تبقى حبيسة الأدراج، وكم من قضايا فساد تفتح ثم تغلق دون نتائج حقيقية، مما يخلق شعورا عاما بالإفلات من العقاب.
هذا الشعور أخطر من الفساد نفسه، لأنه يضرب ثقة المواطن في الدولة، ويضعف الإيمان بعدالة النظام، ويدفع البعض إلى التعايش مع الفساد باعتباره أمرا واقعا لا يمكن تغييره. ومع مرور الوقت، تتآكل القيم العامة، ويصبح الإصلاح مهمة شبه مستحيلة ما لم تستعد هيبة القانون.
في المقابل، الدول التي نجحت في تقليص الفساد لم تعتمد فقط على تشديد العقوبات، بل على بناء منظومة متكاملة من الشفافية والمحاسبة. حيث تراقب القرارات، وتفحص الصفقات، وتحترم استقلالية القضاء، وتحمى المؤسسات الرقابية من التدخلات السياسية. في هذه البيئة، يصبح الفساد مخاطرة عالية لا يجرؤ الكثيرون على الاقتراب منها.
لكن المساءلة القانونية لا تقتصر على كبار المسؤولين فقط، بل تبدأ من أبسط مستويات الإدارة.
فغياب الرقابة في التفاصيل الصغيرة يفتح الباب تدريجيا لفساد أكبر وأكثر تعقيدا. لذلك فإن بناء ثقافة المساءلة يجب أن يكون شاملا، يطال المؤسسات والأفراد على حد سواء.
إن القول بأن: لا شيء يتحقق خارج المساءلة القانونية، ليس مجرد شعار، بل هو حقيقة تؤكدها التجارب الإنسانية. فالتنمية والاستقرار، والعدالة الاجتماعية، كلها أهداف لا يمكن تحقيقها في بيئة يغيب فيها القانون أو يطبق بشكل انتقائي. لأن الانتقائية في تطبيق القانون هي في حد ذاتها شكل من أشكال الفساد.
في النهاية، يمكن القول إن معركة الفساد ليست معركة قوانين فقط، بل هي معركة إرادة سياسية ومجتمعية. فالقانون وحده لا يكفي إذا لم يطبق بعدالة، والمجتمع لا يتغير إذا لم يؤمن بأن المحاسبة حق وليست استثناء. وعندما تتحقق المساءلة الحقيقية، يصبح الفساد استثناء نادرا، لا قاعدة تحكم الواقع.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *