من أصابع الزناد إلى أنامل المداد
مقاومة المذاكرة في مطلع القرن الماضي
رحلة السبت 16 ماي 2026 : من بريغيث بالمذاكرة إلى الرياض بالرباط

إنها رحلة ليست كباقي الرحلات المتداولة، رحلة لا تحتاج إلى تحقيق، لأنها تحمل تحقيقها على أكتافها وتكشف أغوارها و تشرح أسرارها بكل جرأة وعلى رؤوس الأشهاد، بل وعلى مرأى ومسمع من الكل، سواء في تلال الأحلاف بالشاوية أو في شوارع الرياض بالرباط، من بادية الإصرار إلى مدينة الأنوار.
إنها ليست رحلة الشتاء والصيف في يوم واحد ومكانين مختلفين، رحلة الصباح والمساء،
الأولى في أعماق بادية الشاوية محاضرا في موضوع حول”مقاومة المذاكرة في مطلع القرن الماضي” وسط التلال وبين الفلاحين وحفدة المجاهدين،
والثانية بالرباط، في عصر نفس اليوم، لم أستطع الاعتذار عنها بسبب كلمة سبقت مني ووعد قطعته على نفسي لأكون في الموعد هناك وهنا، لذلك لم يغب الدعاء لتيسير الأمر وطرح البركة فيه، وكتب الله لي أن يشد عضدي بصديقي نورالدين فردي الذي تحمل مسؤولية مرافقتي بسيارته، فكان السائق المحترف بمعرفة الطريق، متأرجحا في سياقته بين التأني والسرعة حسب أحوال الطريق التي ترجحت بدورها بين الضيق والحفر والجوانب المسننة والاتساع والسلاسة… فكان علي، في تلك الصبيحة وسط سرادق كبير بالألوان المتلألئة، أن أشارك بمعية زملاء لي، كنت رفيقهم في دروب البحث في تاريخ وتراث الشاوية منذ عقود، في الدورة 23 للذاكرة والتراث الثقافي للشاوية، في مكان بين تلال تكسوها الأشجار، نقطة مفصلية تاريخيا لأنها كانت مسرحا لآخر معارك قبيلة المذاكرة ضد الغزاة الفرنسيين في معارك الغابة ب” بْبريْغِيتْ” و “بِيرْ الوَرد“. في هذه النقطة المفصلية بين المذاكرة وأولاد مْحمد والأعْشاش ببلاد مْزاب من جهة وبين بني خيران وزعير من جهة أخرى، سجل التاريخ أروع صور التعايش والاتحاد لمواجهة العدو الغازي الكتف على الكتف والعيون على نفس الهدف…
في هذا الفضاء المفعم برائحة البارود وحوافر الخيل وأهازيج الرماة… تحدث شعيب حليفي بليغا كلما ربط بين المتدخلين وتحدث آخرون كرئيس الجماعة الترابية .. وصدحت حناجر الشعراء والزجالين، ووزعت تذكارات على أبناء وأحفاد بعض الشهداء، ألقيت بدوري عرضا وقفت فيه على بعض المعارك التي خاضها رجالات الشاوية بمعية جيرانهم، وعرجت على مواصفات المقاومين من شجاعة وإقدام ومن فروسية وحنكة المدافعة والتربص…لقد كانوا يؤمنون بأنه ” إذا لم يكن من الموت بُد فمن العجز أن تموت جبانا“، ولك أن تتخيل صهيل الخيول وأزيز الطلقات، ولك أن تخرج من زوابع البارود والدخان والغبار مرفوع الرأس بعد كل طلقة على مشارف الخنادق، كيف تجفل الخيول وتتحرك في كل اتجاه كأنها كما قال القاضي عياض في حقول القمح بتادلة وهي تتمايس بفعل الرياح مطرزة بأزهار شقائق النعمان” كتائبَ تجفل مهزومةَ***شقائق النعمان فيها جراح”.
وتحدث الزميل والصديق نور الدين فردي على حيثيات المعارك منذ احتلال الدار البيضاء وإلى غاية التراجع، متوقفا عند بعض الزعماء كالأحمر بنمنصور “صاحب العلام”… “وكان حتى كان، كان الفارس يصون المكان ويكتب بالبارود قصة الذي كان ،وكان الله وباق الله، وكل شيء راح مع الزمن…”.
من أزيز الطلقات إلى أنين النايات
في نفس الآن كان علي ألا أخيب ظن صديقي السي توفيق بن المكي العوفير، رئيس جمعية “أندلوز” (Andaluz ) الذي حبذ أن أدير جلسة علمية لها طعم آخر ولذة مغايرة ، طعم بنفحات مغربية أندلسية، تسبح في عوالم المخطوطات وتستحم بترانيم الموسيقى بآلاتها وأشعارها.
وهنا ، وبعد عناء ومغامرة الرجوع في تحد لوقت داهمني وأنا ما زلت بعيدا، حتى أن نصيبنا من وجبة الكسكس أخذناها مسرعين قبل الحضور، إلا أن مشيئة الله اقتضت أن أطوي الطريق بسرعة وبسلامة وأن أطمئن صديقي السي العوفير أنني على العهد، ويكفي أن يكون التأخر في الوصول خير من عدم الوصول. وفعلا في مدرج كان يسع لحوالي مائة من الحضور المتميز بالأناقة وحسن الاستماع ب”مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين” بحي الرياض بالرباط، أدرت جلسة علمية رحلت بنا فيها الأستاذة الإسبانية مانويلا غرسيا كورتيس في عوالم المخطوطات المغربية الأندلسية من حيث العناوين والمؤلفين والمحتويات ومن حيث خزانات التواجد… وتحدث الأستاذ محمد أديوان عن طبيعة المخطوطات وصعوبات التتبع والتحقق ، ولم يفته أن يقف طويلا عند المصير المشؤوم للخزانة الزيدانية التي انتهت بين أيدي القراصنة ومنها إلى الإسكوريال، وغير خاف قيمة هذه الخزانة وما احتوت عليه من مخطوطات، أما الباحث والموسيقي سفيان أكَديرة، فقد كانت مداخلته منهجية بامتياز حيث تحدث عن الموضوع من الداخل مستعملا مصطلحات ذات الصلة بطبيعة الموضوع من قبيل القدود ارتباطا بالبنيات الفنية…وقد تحدث عن الأمر المؤلف الموسيقي ابن الطحان المصري، أبو الحسين محمد بن الحسن (المتوفى سنة 449ه) في كتابه”حاوي الفنون وسلوة المحزون”…واتخذ من كناش الحايك مرجعا لمداخلته.
واختتمت الجلسة بسهرة فنية راقية تضمنت روائع القصائد أداها “جوق شباب الأندلس” برئاسة الفنان هشام .
من كل هذا وذاك، كان هذا الامتزاج والتكامل بين مناهل التراث والذاكرة، كان هذا التلاقي والجمع بين بحوث تناولت التراث الأندلسي المغربي في تجلياته الفنية أي في ارتباط بالموسيقى والأغاني ومن برع في جمع الشتات والتنظير للإيقاعات والألحان… وبين بحوث اشتغلت على البادية وقربت صورة الرجال الذين ضحوا بما يملكون وهبوا مشاة وفرسانا لصد هجومات الغزاة بكل جرأة وشجاعة قل نظيرها… وبين الموضوعين نواميس من ذاكرة الارتباط بالأرض والعرض و نبرات من سرديات الأنفة والعزة و الإصرار بجميع تجلياته و مقاصده.
من بريغيث بالمذاكرة إلى الرياض بالرباط، جاء من جاء بدافع المحبة والوفاء، جاؤوا من كل فج عميق ليعيدوا للذاكرة بعض التوهج وللتاريخ بعض النبش، ليمسحوا عليهما بماء الورد حتى يظلا ناصعين ويظل أريجهما عبقا فواحا يغري العابرين بالتوقف والتأمل. جاؤوا ليعيدوا بناء الصور حتى تظل شفافة ويزيلوا بعض الصدأ الذي قد يكون أصاب بعض التمثلات والتفاؤل.
لقد ختمت مداخلتي على أطراف الشاوية، بين القبائل والخوانق، باستعارة من محمود درويش، فقلت:
” على هذه الأرض
سيدة الأرض
ما يستحق الحياة”
وختمت إدارتي لجلسة المخطوطات الموسيقية بالقول، على غرار ما سبق:
” في هذه المخطوطات
أسطوانات وشدو نغمات
هي حياة نفسها تغني للحياة”.
