سر الوصل…

سر الوصل…

رب شوق ظنه الغافل فقدا..

     منير لكماني

من لطائف الله الخفية أن يودع في القلوب أسرارا لا تهتدي إليها العبارة، ولا يحيط بها التفسير، وإنما تشهدها الأرواح إذا سكنت، وتبصرها البصائر إذا انكفأ عنها ضجيج الحس. ومن تلك الأسرار أن العبد لا يمضي في هذه الدنيا منفردا كما يظن، بل يحمل ويحمَل، ويؤنس ويؤنَس، وتكون له في الأرواح منازل، كما تكون له في الأرض مساكن.

فالوجوه التي عبرت أيامنا، ثم احتجبت عن الأبصار، لم تبرح مواضعها من السرائر. وما الصور إلا أسباب يذكر بها الحس ما لم يغب عن القلب أصلا. فكم من شخص غاب عن العين، وهو في الباطن أشد حضورا من حاضر. وكم من لقاء انقضى في الزمن، وبقي أثره يعمل في الروح عمل النور في الزجاجة، لا يرى منفردا، ولكن يرى كل شيء به.

وليس سكنى الخلق فيك من باب المجاز، ولكنه من دقائق الصنعة الإلهية في تكوين الإنسان. جعل الله القلب مرآة لا تحفظ الصورة وحدها، بل تحفظ الأثر، ولا تمسك الذكرى فحسب، بل تمسك ما وراءها من رجفة المعنى. فإذا مر خاطر، أو هبت أشجان، أو انفتح في الصدر باب لا يعرف له سبب، علمت أن فيك من غيرك بقية، وأن في غيرك منك سرا مقيما.

ورب شوق ظنه الغافل فقدا، وليس إلا وجها من وجوه البقاء. لأن ما ثبت في الروح بالله لا تقطعه المسافة، وما انعقد في باطن الإنسان من أثر المحبة لا تمحوه الأيام. وإنما الشوق تنبيه للسر إلى ما أودع فيه، وتذكير للقلب بما حمل من الأنوار والآثار. فليس كل ما غاب معدوما، ولا كل ما بعد منقطعا، بل ربما كان المستور أثبت من المشهود، وكان الخفي أبقى من الظاهر.

وإنما يحمل بعضنا بعضا في المواطن التي تضيق فيها العبارة، وتعجز فيها الحيلة، وتنقطع فيها الأسباب الظاهرة. هناك يتجلى معنى الصحبة الباطنة، ويظهر سر السند الخفي. فكم من روح أقامها الله بروح، وكم من قلب ثبته بقلب، من غير لقاء دائم، ولا حديث متصل، ولا يد تمتد في الحس، ولكنها العناية إذا سرت في الأسرار، جعلت من ذكرى عبد عدة لعبد، ومن أثر إنسان سكينة لإنسان.

فلا تظنن أن القرب ما شهدته المسافة، ولا أن البعد ما حكمت به الأماكن. القرب قرب الأسرار، والبعد بعد الغفلة. ورب قريب منك في الصورة، بعيد عنك في المعنى، ورب غائب عنك في الظاهر، حاضر فيك حضورا لو كشف لك ستره، لرأيت منه عجبا. لأن الأرواح إذا تلاقت على معنى صادق، لم تفسد عهدها غوائل الأيام، ولم تنقض ما بينها عاديات الزمان.

ومن دقائق هذا الباب أنك قد تكون لغيرك سندا وأنت لا تشعر، كما كان غيرك لك رحمة وأنت لا تدري. فقد يزرع الله في كلمة منك طمأنينة في قلب عبد، أو يجعل من مرورك الخفيف في حياته أثرا يبقى معه حين تتبدل الوجوه والأحوال. وهكذا يربط الحق بعض القلوب ببعض، لا لتقف عند الخلق، بل لتشهد من خلالهم حسن تدبيره، ولطف وصله، وجميل رعايته.

فإذا أوحشك الطريق، فلا تعجل بظن الوحشة. وإذا خيل إليك أنك وحدك، فاعلم أن هذا من ضيق الحس، لا من سعة الحقيقة. فما دمت قد مسست قلبا بصدق، أو مسك قلب بصدق، فقد جرى بينكما من أمر الله سبب لا يبطله الغياب، ولا تقطعه الأيام. وإنما الوحدة الحقيقية أن ينفصل القلب عن معناه، لا أن يغيب عنه بعض من أحب.

فاسكن إلى هذا اليقين، واهدأ في مجاري الأقدار، واعلم أن الحق إذا أسكن في قلبك أثرا من خلقه، فما أراد بذلك تعذيبك بالفقد، بل توسيعك بالمعنى، وتقويتك بالسر، وتعليمك أن المحبة إذا صفت صارت طريقا من طرق المعرفة، وأن الأثر الجميل إذا استقر في الروح غدا عونا على المسير، ونورا في مفاوز العبور.

فلسنا نمشي في دروب الحياة وحدنا، وإن توهمت النفوس ذلك، ولكن يحمل بعضنا بعضا في سر الله، وتستبقي الأرواح من الأرواح ما يكون لها زادا إذا قل الزاد، وأنسا إذا اشتدت الغربة، ونورا إذا تكاثف الليل.

ومن عرف أن الله هو الحامل في الحقيقة، رأى الخلق مظاهر لطفه، وأسباب رحمته، وأدرك أن القلوب إنما تتساند به، وتلتقي فيه، وتمضي إليه.

12/04/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com