سلسلة قصصية

سلسلة قصصية

العرق دساس

     منير لكماني

في بعض قبائل المغرب العريقة عاش شيخ مهيب يدعى المهاجر بن سلام، جمع بين صرامة العزم، وعلو الهمة، ونفاذ البصيرة. وكانت قبيلته تنزل أرضا فسيحة، يترامى فيها السهل بين الكثبان والنخيل، وتنهض الجبال على أطرافها كأنها حراس أوكلت إليهم مهابة المكان.

وفي صباح لفحته أسفار بعيدة، أقبل على مضارب القبيلة رجل غريب، وقد نال منه السفر، فنادى في الناس بصوت متعب:

– “يا قوم، أنا سياسي حكيم، أحل ما استعصى من الخصومات، وأصلح بين المتنازعين، وأرد المظالم إلى أهلها. فمن طلب الإنصاف فليدع السياسي.”

تلقى القوم قوله بين ساخر ومستغرب، ورآه بعضهم رجلا يبيع الكلام في سوق لا تروج فيه إلا الأفعال. غير أن خبره بلغ الشيخ، فأمر بإحضاره، وقال وهو يرتشف الشاي في هدوء العارف: “ائتوني به، فلعل حديثه يكشف جوهره.

دخل الرجل المجلس مطرقا، وسلم في أدب، فتأمله الشيخ طويلا ثم قال: “بلغني أنك سايس خيل.”

رفع الرجل رأسه وقال في دهشة: “لا يا سيدي، أنا سياسي أدبر شؤون الرجال والقبائل، لا أمر الخيل والدواب.”

فضحك الشيخ وقال: “بل نحن اليوم أحوج إلى من يسوس الخيل من حاجتنا إلى من يسوس الألسنة. ومنذ هذه الساعة، أنت على فرسي.”

اضطرب الرجل وقال: “يا سيدي، لا عهد لي بالخيل، ولا علم لي بأمرها.”

فقال الشيخ قاطعا: “لقد مضى الحكم، ومن رد الحكم جر على نفسه البلاء.”

ولم يجد الرجل مفرا من الامتثال. فدفعت إليه فرس الشيخ، وكانت من أنفس ما يملك، يعتز بها اعتزاز الملوك بتيجانها. ولما هم السايس القديم بالانصراف، دنا من الغريب وهمس في أذنه: “إياك أن تذكر فيها عيبا، فإنها عند الشيخ أعز من كثير من ماله وأهله. فإن قلت ما يكره، هلكت.

مضت أيام والرجل يرعى الفرس في حذر، حتى استوقفه منها أمر غريب. فقد كانت إذا أكلت ألقت رأسها إلى الأرض، لا ترفعه رفعة الخيل الكريمة، ولا تقبل على العلف إقبال من يعرف قدره. فوقع في نفسه خاطر لم يلبث أن إستحال يقينا: “من رضع من البقرة، مال إلى البقر وإن حمل هيئة الخيل.”

داخله الخوف، وخشي أن ينطق بما علم فيكون هلاكه على لسانه، ففر من الدوار ليلا. لكن رجال القبيلة أدركوه، وساقوه إلى الشيخ مكبلا، فقال له الشيخ في غضب:

“ويحك، أتهرب من خدمتي أم من قدرك؟ ما حملك على الفرار؟

قال الرجل مرتجفا: “يا سيدي، أعطني الأمان، أقل لك الحق كله.”

قال الشيخ: “لك الأمان إن صدقت.”

فخفض الرجل صوته وقال: “أما فرسك فحسنة الصورة، شديدة العضل، لكنها لم ترضع من أمها الأصيلة.”

فاستشاط الشيخ وقال: “ويلك، أتجسر على هذا القول؟”

ثم أمر بمن أهداه الفرس، فلما مثل بين يديه وسأله، أقر الرجل قائلا: “ماتت أمها عند ولادتها يا سيدي، ولم أجد لها إلا بقرة ترضعها.”

فسكن غضب الشيخ، ونظر إلى الغريب في دهشة وقال: “وكيف اهتديت إلى ذلك؟”

قال: “لأن الفرس الكريمة تأكل مرفوعة الرأس، كأنها تعي شرف سلالتها، أما هذه فتلقي رأسها إلى التراب كما تفعل الأبقار.”

أعجب الشيخ بذكائه وقال: “لقد نفذت إلى ما خفي على غيرك. ومن يصدق في الخيل لا يبعد أن يصدق في الناس. ومن اليوم، تتولى النظر في أهل بيتي.”

كاد الرجل يسقط من الفزع، وقال: “يا سيدي، اعفني من هذا، فليس لي بأمور النساء علم ولا خبرة.

لكن الشيخ لم يقبل إعتذاره، فألزمه بذلك. فصار الرجل يتردد إلى خيمة زوجة الشيخ، يخالطها بقدر ما أمر، ويراقب في صمت من لا يريد أن يرى، ثم يرى.

وبعد أيام استدعاه الشيخ وقال: “قل لي الآن ما رأيت، كما قلت في أمري الفرس.”

تردد الرجل، ثم قال: “هي حسنة السمت، لينة القول، ظاهرة الحياء… ولكن، من قال لك إنها ابنة الشرفاء؟ إن في الأمر خيطا خفيا لا تخطئه العين الفاحصة.”

تبدل وجه الشيخ، ونهض من مجلسه مضطربا، ثم مضى إلى أهلها يسائلهم ويستقصي الخبر، حتى إعترفوا بأن ابنتهما الأصلية ماتت صغيرة، وأن هذه المرأة كانت طفلة غجرية وجداها عند أطراف الوادي، فأخذاها وربياها.

عاد الشيخ مذهولا وقال للرجل: “من أين جاءك هذا العلم؟”

قال: “في عينها غمزة خفية إذا تكلمت، وهي علامة يعرفها من خالط الغجر وخبر طباعهم.

إزداد الشيخ إعجابا، وقال: “إنك لصاحب فراسة لا تخيب.
ثم إبتسم وأضاف: “ومن اليوم، ستسوسني أنا.

ارتعد الرجل وقال: “يا سيدي، حسبك. لقد أرهقني هذا البلاء، فلا تحملني ما لا طاقة لي به.

لكن الشيخ قال في إصرار: “لا بد أن تخبرني. قل في أمري كما قلت في غيري، ولك الأمان.”

فلما اطمأن الرجل إلى الأمان، قال في حذر: “يا سيدي، ومن قال لك إنك ابن شيخ؟ أبناء الشيوخ يهبون الذهب، ويصطنعون الرجال، ويجعلون الكرم وجها للسيادة. أما أنت فتجعل غاية الجود أن تشبع البطون. ومن نشأ في ظل الطباخين، رأى الامتلاء نهاية المكارم.

وقع الكلام في قلب الشيخ وقوع الصاعقة. فمضى إلى أمه، وألح عليها بالسؤال حتى بكت وإعترفت وقالت:

“كان شيخ القوم لا ينجب، وكان لا يبقي لامرأة لم تأته بولد. فخفت على نفسي، فإتصلت بطباخ القصر، فجئت بك، ثم نشأت بين أبناء الشيوخ وأنت لست منهم.”

عاد الشيخ واجما، وقد انكشف له من أمره ما هز أركانه، ثم قال للرجل: “كيف بلغت هذا السر المستور؟”

فقال الرجل: “لأن الأصول لا تموت، وإنما تستتر قليلا ثم تفضحها الطباع. فالمرء قد يتزين بغير معدنه، لكن فعله يرده إلى منبته الأول. أنت تكرم الناس بما يخرج من القدر، ولو كنت إبن شيخ خالصا، لما رضيت في الكرم إلا بما يخرج من خزائن السادة. فالعرق يا سيدي دساس، وإن واراه الناس بألف ستار.

ومن يومها جرى المثل على الألسن، في البادية كما في الحاضرة:

“العرق دساس، والطبع يفضح الأصل وإن صمت اللسان.

06/04/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com