عطاء الحياة 6
حين يهدأ القلب في حضرة الكتابة
عتبة للربط:

بعد أن توقفت – في المحطة الخامسة من التأملات المتعلقة بعطاء الحياة – عند الإدراك بأن العطاء ينضج في زمنه الخفي، سأنتقل إلى أثر وفعل ذلك في الداخل، وأتساءل عما يحدث للقلب حين يفهم حكمة التوقيت ؟ وكيف يتحول الفهم الى حالة، ومن هنا يبدأ مسار اخر… مسار سلام القلب … لا كفكرة، بل كحالة عميقة من التقبل أو القبول.
1 من اضطراب الرغبة الى يقظة الفهم
وما سلام القلب إلا ثمرة عبور عبر مدخلي القلق والسؤال. فالقلب يطلب بإلحاح في بداياته ويقاوم كل ما لا ينسجم مع رغباته، لأن اكتماله يبقى مرهونا بما يحصل عليه . لكن مع تراكم التجارب، تبدأ مسيرة التبدل الخفي، وتتراجع حدة السؤال، فينجلي أول خيط للفهم، عندئذ يدرك المرء أن الأبواب التي أُغْلقت لم تكن عبثا. وأن الطرق التي لم يخترها كانت تقوده، وأن الصمت الذي مر به كان يهيئه ، وأن ما تأخر لم يكن ضياعا … بل كان تشكيله في الدواخل يعاد ، ليصير فهما … ادراكا … ووعيا أقل استعجالا .
2 انكسار وهم السيطرة وبداية التسليم
حين يتعمق ذاك الفهم، يبدأ الوهم الخفي في التلاشي: وهم القدرة على التحكم في كل شيء. فنكتشف أن الحياة لا تدار فقط بالإرادة، وأن هناك تدبيرا أوسع من كل الحسابات. ومن هنا لايكون التسليم ضعفا، بل تحررا من صراع غير مرئي. الأمر الذي ينسجم مع قول ابن عطاء الله【 أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك 】. وفي هذا الأفق لا يتوقف السعي، وإنما يتغير معناه :
نسعى … دون توتر، ننتظر … دون قلق، نتقبل … دون انكسار. وهكذا يبدأ القلب في التخفف من الأعباء، ويتعلم أن يثق في ما يُدَبًّرُ له، لا في ما يخطط له فقط.
3 سلام القلب وبداية نضج الروح
حين يهدأ الصراع الداخلي، نجد أنفسنا أمام نوع جديد من السلام : سلام لا يعتمد على تحقيق الرغبات، بل على فهم مسارها. وخلالها لا يعود العطاء مرتبطا بما نملك، بل بما نشعر به ونفهمه. وعندئد نكتشف أن الطمأنينة لا تأتي من الخارج، بل تنكشف في الداخل حين نتوقف عن مقاومتها. وبوصول القلب الى هذا المقام، فإنه لا ينتظر أي عطاء ليطمئن، بل يطمئن … فيرى العطاء مجسدا في كل شيء . وهنا يتحول السلام من حالة عابرة الى أثر دائم في الروح، أثر يجعلها أكثر اتساعا وعمقا. ومنها تكون بداية مرحلة أخرى، لا يكتفي فيها الانسان بسلام القلب، بل يبدأ في نضج الروح بما عبر بها من : [ت . ج . ا . ر . ب ]
يتبع
