عطاء الحياة 7
تأملات في حكمة الطريق الخفي
حين تنضج الروح بما عبر بها
عتبة مدخلية :
إذا كان سلام القلب هو ثمرة الفهم ، فإن نضج الروح هو ثمرة العبور ، عبور التجارب … الفقد … الانتظار … العطاء في كل أشكاله المختلفة .
1- التجربة كعبور … لا كامتلاك
ليست قيمة ما يعيشه المرء فيما يحوزه أو يتحصله ، بل فيما يعبره من تحولات داخلية . فكثيرا ما ينشغل بحصيلة التجارب ، ليقيس ما ربحه؟ وما يكون قد خسره ؟ غير أن الحياة لا ولن تقاس بهذا الميزان الضيق . لأن التجربة في جوهرها ليست شيئا نملكه ، بل طريقا بقدر ما نسلكه ، يعبرنا … يسعدنا … يؤلمنا … ونظل فيه سائرون ، فنخرج منه وقد فقدنا الكثير مما كنا نبتغي . وقد نكون ربحنا – من حيث لا ندري – أشياء هي أعمق :
قدرة جديدة على الفهم
تفاؤلا أعمق وأسمى
نظرة أكثر اتساعا للحياة
ومن هنا تغمرنا أول ملامح نضج الروح ، حين نتوقف عن قياس الحياة
بما تعطيه لنا ، أو تجود به علينا ، وبذلك تبدأ مسيرة ادراك معمق لما تصنعه فينا بكل محطاتها وتلاوينها .
2- الألم كمعبر خفي نحو الفهم
ليس الألم هزة …. ضربة … انقطاعا في مسار الحياة، بل هو في الكثير من الأحيان، أحد طرقها العميقة أو الأكثر عمقا – ان صح التعبير – ولعل ما يرهقنا في لحظته ، هو نفسه الذي يفتح لنا بوابات الفهم خلال اللاحق من الزمن . بعد أن يكون قد أعاد ترتيب أولوياتنا … كشف هشاشتنا … قِصَرَ نظرنا ، ويجعلنا أكثر قربا من حقيقتنا الانسانية . ولعله المنحى الذي يندرج فيه قول ” جلال الدين الرومي”【 الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور 】. فحين نعيد النظر في تجاربنا المؤلمة، سنكتشف – ولا شك – أنها لم تكن مجرد معاناة ، بقدر ما كانت لغة خفية، خاطبتنا بها الحياة وسمحت لنا – من خلالها – برؤية ما لم نكن نراه في لحظات معينة بذاتها. ومن هنا لا يعود الألم مجرد ذكرى، بل يتحول الى فهم ، ويغدو الفهم بداية تروي … ادراك … فهم … حكمة .
3- الحكمة كأثر هادئ لما عبرناه
مع توالي الأيام وتراكم التجارب، يهدأ ضجيجها … صخبها في دواخلنا، وتتولد أشياء مختلفة، تتجسد حكمة / حكما لا تقال، لكنها تعاش. علما أن الحكمة ليست في كثرة ما نعرف، بل هي كامنة في هدوء نظرتنا .. اتزاننا .. قراءتنا للأشياء، وقدرتنا على تقبل ما يأتي دون مقاومة مفرطة. فتصبح الروح أقل اندفاعا وأكثر اتزانا، لا لأنها فهمت حدودها. فيتحول كل ما عشناه من فرح … ألم … انتظار … خيبة … هدوء … اضطراب … الى نسيج داخلي متماسك ومتراص ، نستند إليه دون أن نشعر . فنكون عندئذ أمام العطاء الأعمق للحياة : فلا تتركنا كما كنا، بل تعيد تشكيلنا من جديد في هدوء تام وبدون أي إعلان مسبق.
4- حين نتمكن من فهم عطاء الحياة
في نهاية هذا المسار التنقلي بين دروب ” عطاء الحياة” ، فانا لا نبتغي الخروج بإجابات جاهزة، بل نروم نوعا آخر من الفهم … يكون أكثر هدوءا.. أعمق يقينا. فهما ينطلق من أن الحياة :
لاتعاندنا … بل تعلمنا
لاتحرمنا … بل تهذب رغباتنا.
لا تأخرنا … بل تجعلنا نحسن التوقيت.
فنكون بذلك أمام فهم من نوع اخر ، فهم أن :
الابواب التي أغلقت ذات يوم ، كانت لتحمينا.
الطرق التي لم نخترها ، كانت تقودنا هي اليها.
الصمت الذي عبرناه ، كان يُعِدُّنا.
الأشياء التي تأخرت عنا ، كانت تنتظر نضجنا.
السلام الذي بحثنا عنه ، كان يبدأ من قبولنا بالواقع
النضج الذي بلغناه ، كان حصيلة كل ما عبر بنا.
وحين نجمع كل ذلك، ندرك أن العطاء لم يكن في ما حصلنا عليه فقط بل في ما أصبحنا به وعليه . وبالتالي ف” عطاء الحياة ” لا يقاس بما تعطيه لنا، بل بما حولتنا اليه .
وقفة ختامية
بعد عطاء الحياة واستقرار ذاك السلام في القلب، نتخلص من كل الحالات العابرة ويتحول الوضع عندنا الى :
أثر دائم في الروح
أثر يمكنها من القدرة على العبور
أثر يجعلها أكثر اتساعا … نضجا … صفاء … هدوءا … تقبلا لما صنعته فينا الحياة .
المختار عنقا الادريسي
طنجة . المملكة المغربية
