عطاء الحياة 5
تأملات في حكمة الطريق الخفي
عتبة للربط :

بعد أن ننصت الى صمت الطريق حيث تتشكل لمعاني في الخفاء ، لاشك في أنّا سندرك أن ماينمو في الصمت لا يكتمل الا عبر زمن حكيم يضبط ايقاع العطاء ويمنحه لحظة الظهور . ولأنه – العطاء – ليس مايُمنح بل متى يُمنح . فمن هنا قد تبدأ الحياة في كشف سرّها الأعمق ، المحدد في أن التوقيت ليس تفصيلا عابرا ، بل هو جوهر الحكمة .
حين ينضج العطاء في زمنه الخفي
في البدء ينبغي القول بأن أي تأخير في العطاء ليس حرمانا ، وإنما هو تأجيل رحيم لما لم يكتمل فينا بعد . فالزمن كما يراه أهل البصيرة والتبصر ، ليس مجرد تعاقب للحظات …للأيام ، بل هو وعاء تنمو وتنضج فيه الأقدار ، وتهدّب فيه القلوب ، وتتهيأ فيه الأرواح لتَقَبّل ما سيُعطى لها . وفي هذا الصدد يقول ابن عطاء السكندري في حكمة بليغة له 【 لا تطلب منه أن يخرجك من حال ، ليستعملك فيما سواها ، فلو أرادك لهيأك لذلك 】 وكأن المعنى يتردد في عمق ما لم يتهيأ فيك ، وأنه لن يُعطى لك ، وأن ماكُتب لك ،سيأتيك حين تصبح أهلا لتقبله . فكم من رغبة استعجلناها ، ولو أُجيبت في حينها لما أدركنا معناها ، وكم من أمنية تأخرت ، حتى اذا جاءت في تمامها … كأنها لم تكن تنتظرنا ،بل كانت تُعِدُّنا لها . الشيء الذي ينسجم مع أن ما تطلبه ، فهو دائم البحث عنك . وهنا تجذر الاشارة الى أن هذا اللقاء لايتم في لحظة الطلب ، بل في لحظة التوافق … حين تنضج المسافة بين الرغبة والاستحقاق .
وفي ذاك الانتظار لا يحدث الفراغ ، بل يتم العمل الخفي : فتٌعاد صياغة الداخل ، وتنضج الرؤية ، وتصفو النية من استعجالها . وحين يأتي الشيء في وقته ، فإنه لا يجيء كدهشة عابرة ، بل كاكتمال هادئ لا يربك القلب ، ولا يثقل الروح ، بل يستقر فيهما كما لو أنه كان يعرف طريقه منذ البدء . وهنا فقط نفهم : أن بعض الأشياء لم تتأخر ، بل كانت تسير الينا في صمت ، بينما نحن نتعلم كيف نصل إليها .
وخلاصة القول أنه حين نهدأ بما يكفي ، نكون ملزمين بما يكفي لننظر الى مساراتنا ، فنكتشف أن الزمن لم يكن يؤخرنا .. بل كان يُنْضجنا . وأن الأقدار لم تكن تتباطأ، بل كانت ترتّب لقاءً أدقّ بيننا وبين ما كُتب لنا. فما يأتي متأخرا في أعيننا، قد يأتي في أوانه تماما، وحينها لا نقول: ” تأخر العطاء ” بل نقول لقد جاء حين أصبحنا مستعدين له.
