عن ذكريات فرحة العيد
كل عام وأنتم بخير
في الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك ، يستعد الناس بحماس كبير لاستقبال العيد الذي يسمونه “العيد الصغير” ولكنه في الحقيقة عيد كبير، كبير في فرحتنا به.. فيتوجه والدي الى المصلى للصلاة – صلاة استثنائية – تسمى صلاة العيد، ويكون لأمي نصيبها من التزيين والاعداد للعيد، بعدما تكون قد قضت ليلة بيضاء في تهيئ الوجبات المتنوعة المناسبة للعيد من (بغرير ومسمن و حلويات) مع اعداد صحن أرز تتوسطه زبدة وعسل تعانقا من أجل الذوبان ، ليرسما لوحة تشكيلية تفجر شهيتنا وتحرك لعابنا .
في هذا اليوم السعيد ، تعمد أمي الى تزين يديها بالحناء وتستعمل الكحل الاسود لعينيها . أما والدي فيكون نصيبه جلبابا أبيضا وتعلوه ابتسامة القبول والرضا والطمأنينة ، في حين أننا نحن الاطفال نتسابق للبس أزياء العيد الجديدة المكونة في غالب الأحيان من ( الحذاء والسروال والقميص) بالنسبة للذكور ، وتضاف إليهم القبعات التي تزين رؤوسنا الصغيرة، و يكون حظ الإناث هو (القفطان والجلابة) ويحرص الجميع على إحياء صلة الرحم ليس لوجه الله بل لأنها تبقى شديدة الارتباط بما يعرف بالعيدية أو ” فلوس العيد ” المكونة من بعض الدراهم التي يتبرع علينا بها أفراد العائلة (الخال والخالة والعم والعمة والجد والجدة …) وأحيانا بعض الجيران.
وفي هذا اليوم، يكون حظ جيوبنا الامتلاء بالدراهم التي كنا نفتقر إليها طيلة السنة فنصبح من زمرة الأثرياء، ومعها تزدهر تجارة ” عمي أحماد ” مول الحانوت، فنشتري بكل حرية كل ما نشتهيه، بعيدا عن سلطة ومراقبة الأسرة لماليتنا ، فنلتهم الطون والحرور مع مشروب “البوبس” وقد نضيف إليها حلوة لاكريم اللذيذة المذاق، ونتوج كل ذلك بالذهاب إلى السينما التي تعرف رواجا كبيرا فندخل قاعاتها بعد جهد ومعاناة، وبعد أن ننال حقنا من العصا لاجبارنا على احترام الصف للحصول على التذكرة، وسط الضجيج وصدى فريد الاطرش يغني أغنية “يا حبايبي يا غايبين” أو أم كلثوم تغني” يالله نعيش بعيون الليل ونقول للشمس تعالي تعالي …. ” وعندما ندخل الى قاعة العرض تستقبلنا سيدات الظلام اللواتي لا نعرف ملامح وجوههن لمساعدتنا في الحصول على المقعد مقابل واجب الخدمة وإلا كنا عرضة للسب والشتم والتحقير. وفي الغالب الأعم نكون في مناسبة العيد أكثر سخاء لأننا سنعيش لحظات استثنائيه من خلال الأفلام الهندية الغارقة في رومانسية تجمع ما بين الغرام والانتقام . الأمر الذي يجعل دموعنا تنساب تضامنا مع الضحايا، وقد تكون متبوعة بأفلام صينية طافحة بالرشاقة والحركات الرياضية والحركات البهلوانية التي تشدنا إليها شدا، نردف لحظاتها الماتعة بالتصفيق، عندما ينتصر بطل الفيلم على أعدائه. بعد مشاهده الفلم الاول والثاني تشتعل الأضواء من أجل الاستراحة واقتناء بعض المأكولات والمشروبات، فشهية كل الحضور تكون كبيرة ومستعدة لالتهام كل ما يعرض عليها. وبعد أن تُفرغ جيوبنا وتُفلس بورصاتها، نعود إلى البيوت لتتبع الأخبار التلفزية بصوت المرحوم الطاهر بالعربي الذي كان معروفا عند الجميع بخطبته حول حرب الفيتنام وما ادراك ما حرب الفيتنام .
وهكذا كلما حل العيد أو رحل، تحضرنا ذكرياته الجميلة، الموشومة في القلب والذاكرة بمداد من الفخر والاعتزاز الذي فقدناه.
لا يسعني والمناسبة هذه إلا أن أقول لكم جميعا عيدك مبارك سعيد.
عبد اللطيف سرحان
