عطاء الحياة 2
تأملات في حكمة الطريق الخفي
عتبة كلامية :
حين يكتشف الإنسان أن الحياة لا تستجيب دائما لما يرغب فيه، يبدأ في مواجهة أول اختبار حقيقي : وهو اختبار الأبواب المغلقة.فالرغبات التي لا تتحقق، والطرق التي تتعثر، والفرص التي تضيع … كلها تبدو في أول الأمر وكأنها خسارات متتالية.. لكن مع مرور الوقت يتبين أن بعض تلك الخسارات لم تكن سوى بدايات خفية لطرق أخرى. من هنا ينتقل التأمل من مجرد إدراك أن الحياة لا تسير وفق رغباتنا، الى محاولة فهم الحكمة الكامنة وراء تلك اللحظات التي نجد فيها أن الطريق قد يغلق فجأة.
حكمة الأبواب المغلقة
* قد يقف الواحد منا طويلا أمام باب طرقه ، منتظرا أن يفتح له يوما .
* قد ينتظر فرصة كان قد تمناها يوما، أو راهن عليها، أو طريقا اعتقد أن مستقبله كله يمر عبره.
لكن الحياة في لحظة غير متوقعة تُبقي ذلك الباب موصدا. فيبدو الأمر كأنه خسارة أو تعثرا في المسار، لأن النفس البشرية تميل – بطبعها – الى التشبث بما تتعلق به آمالها . وحين لا يتحقق ما نتمناه، يُخيل الينا أن الطريق قد انقطع وأن ما سعينا إليه قد ضاع ، أو هو في طريقه للضياع . غير أن الزمن – وهو المعلم الأكثر صبرا ‐ سرعان مايكشف لنا أن بعض تلك الأبواب المغلقة لم تكن في حقيقتها خسارة.. بل كانت شكلا آخر من أشكال العناية الخفية . فكم من باب أغلق في الوجه ، ثم اكتشف بعد سنوات أنه لو فُتح يومها لكان قد قادنا الى طريق أقل اتساعا أو الى تجربة أقل نضجا . خاصة أن الحياة لا تغلق الأبواب عبثا ، بل تفعل ذلك أحيانا لتعيد ترتيب الطريق من حولنا . فحين يُغلق ، يجد الانسان نفسه – دون أن يدري – مدفوعا الى البحث عن منفذ آخر ، أو إلى اكتشاف قدرة لم يكن يعرفها في ذاته ، أو الى لقاء أشخاص يفتحون أمامه آفاقا جديدة . وهنا تحضرني مقولة كان يرددها المرحوم والدي كثيرا ، مفادها【 اذا غلق باب انفتحت في مقابله أبواب كثيرة 】.
ومع مرور الزمن تتحول الأبواب المغلقة الى نوافذ للفهم . تُعَلِّمُ الانسان درسا بالغ العمق ، يتحدد في أن الطريق الذي نريده ليس دائما هو الطريق الذي يناسب رحلتنا في الحياة . وقد عبَّر الكثير من الحكماء عن ذلك بعبارات بليغة ، استحضر منها ما قاله ” ابن عطاء الله الأسكندري ” الصوفي الكبير【 ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك 】وفي هذه الحكمة تتجلى فكرة عميقة تقوم على أن ما نراه حرمانا قد يكون في جوهره عطاءً مؤجلا ، وما نراه نهاية قد يكون بداية لمسار أكثر انسجاما مع ما تخبئه لنا الحياة . ومع نضج التجربة يتعلم الانسان أن ينظر الى الأبواب المغلقة بقدر أقل من الأسف ، وبقدر أكبر من الثقة . فالحياة وان أبطأت في كشف حكمتها ، لا تغلق بابا الا لتفتح في مكانه أفقا اخر لم نكن نراه . وعند تلك اللحظة الهادئة من الفهم ، يدرك الإنسان أن بعض الأبواب التي لم تُفتح له لم تكن خسارة في مسيرته ، بل كانت حماية لطريقه . وتمهيدا لعطاء اخر خبأته له الحياة في صمتها العميق . فتتوالي التجارب ونتعلم كيف ننظر إلى الأبواب المغلقة بعيون مختلفة . فليست كل نهاية خسارة ، ولا كل تعثر انكسارا في الطريق . فبعض الأبواب تُغلق لأن الطريق خلفها لم يعد يليق بمساراتنا ،
وبعضها يغلق كي نتعلم كيف نبحث عن افاق أوسع لم نكن نراها . وحين تهدأ القلوب قليلا ، ويمنحنا الزمن فرصا للفهم ، نكتشف أن الحياة لم تكن قاسية علينا حين أغلقت تلك الأبواب في وجوهنا . بل كانت – في حكمتها الصامتة – تحمينا من مسارات لم تكن لتقودنا إلى ما نستحقه . عندها فقط ندرك أن الأبواب التي لم تفتح لنا ، لم تكن دائما علامة حرمان ، بل كانت في أحيان كثيرة أول دروس العطاء الخفي الذي تمنحه الحياة لمن يصبر على حكمتها .
يتبع
عنقا الادريسي المختار
16 مارس 2026
