راحة الأرواح في روح الاحتفالية…
مسرح (نا) يبحث عنا ونحن نبحث عن مسرح (هم )
فاتحة الكلام

عن هذه الاحتفالية التي نجددها، ونتجدد بها وفيها، والتي مازالت تتجدد فيها الحياة، و يتجدد فيها تاريخ الحياة وتاريخ الناس الأحياء مازال السائلون يسألون:
ــ ما هي هذه الاحتفالية؟
ــ وكيف هي اليوم في عالم اليوم؟
ــ وماذا كانت قديما في العالم القديم؟
ــ وكيف يمكن ان تكون مستقبلا؟
وفي الجواب يقول الاحتفالي:
هذه الاحتفالية، وباختصار شديد هي الحياة وكفى، وهي الحيوية، بكل ظلالها وكفى، وهي الوجود، بكل موجوداته وكفى، ولست انا من قال هذا، وليس من حقي ان اقول هذا، لأنها الحقيقة، والحقيقة لا تحتاج لمن يقولها، وهي تقول نفسها بنفسها، ومن يرد ان يعرف الحياة في الاحتفالية والاحتفالية في الحياة، فليعشهما أولا، وفي عيشه الصادق سيعرف كل شيء، ولن يحتاج بعد ذلك إلى تعريف مدرسي يختزل ما لا يمكن ان يقبل الاختزال، في كلمات او في عبارات او في كتب او مجلدات
وما اظنني سوف اقول اليوم كلاما جديدا، لو انني قلت بان هذه الاحتفالية هي العيد وهي التعييد، وهل خلا زمن من الأزمان من الحفل والاحتفال ومن العيد والتعييد؟
وهذه الاحتفالية هي الإنسان اولا، والإنسان الذي أعنيه هو الإنسان المجسد في الناس الأحياء، وليس ذلك المعنى المجرد، الموجود في الزمن المطلق والمجرد، وايضا، ليس هو ذلك المعنى الموجود في المكان المطلق، وما يهم الاحتفالي والاحتفالية هو الإنسان الإنسان وهو في درجة الإنسانية، او وهو في درجة البحث عن كينونته وعن انسانيته وعن هويته وعن طريقه وعن معنى وجوده، ولعل اسعد كل السعداء هو ذلك المواطن الاحتفالي الذي استحق ان يكون مواطنا كاملا في وطنه اولا، وان يكون مواطنا كونيا، بنفس الدرجة وفي نفس المقام، وان يدرك جمال الروح، وان يصل عتبة الفضيلة،
وهذه الاحتفالية التي نشتغل عليها اليوم، فكريا وجماليا و أخلاقيا، ليست هي الأصل، وهي بالتاكيد مجرد صناعة من الصناعات، وان ما يميزها عن غيرها من الصناعات المادية، هو انها صناعة لا تشبه كل الصناعات، لأنها اشرف كل الصناعات، ولأن الأساسي فيها هو صناعة الإنسان. وطبعا ليس الإنسان الخام، ولكن الإنسان المركب تركيبا عبقريا، والذي فيه روح ونفس و وجدان وخيال، وفيه فكر وعلم و جماليات واخلاقپات
والمهم هو ان يكون لهذا الاحتفالي وجود، وان يعرف معنى هذا الوجود، وان يكون حيث ينبغي ان يكون، وان يعرف انه اضافة وجودية، وليس مجرد رقم اضافي في الوجود، او انه مجرد اسم اضافي في قائمة الأسماء الإدارية
الاحتفال حرية و تحرر، وفيه تختار انت الإنسان من تكون، وتختار مع من تريد ان تكون، ونختار الطريق الذي تمشي فيه، وتختار رفاق الطرپق، وتختار المسرح، وتختار لغة المسرح، وتختار ان نعيش حياتك في هذا المسرح، بدل ان تعيش حياة الآخرين فبه، سواء من خلال الموتى، او من الأحياء الذين ليسوا احياء
في هذا المسرح الاحتفالي بحثنا نبحث دائما عن الإنسان الشامل و المتكامل، وهو أولا وأخيرا في درجة المدنية، وليس في درجة الحيوانية المقنعة بقناع الانسان المدني، وهو في المدينة المتمدنة وليس في الغاب المتوحش، وهو في وطنه الحقيقي وليس في الغربة او في المنفى
والوطن بلا حرية ليس وطنا، وقد يكون سجنا باسم وطن، والوطن بلا كرامة ليس وطنا، وكثير من الأوطان في هذا العالم قد تكون مجرد ثكنات عسكرية في الأنظمة السياسية العسكرية
وهذه الاحتفالية هي العلاقة، اي علاقة الإنسان بالإنسان في المجتمع الانساني والمدني
وهذا الإنسان المدني الاحتفالي هو بالتاكيد اكبر من ان يكون مجرد جسد، وان يكون لهذا الجسد شكل ولون، وان يكون له فعل ورد فعل، وان يكون له صوت وصدى
وهذا الإنسان الاحتفالي لا يمكن ان يكتمل إلا في العالم الاحتفالي الكامل، او الباحث عن الاكتمال، والعاشق للزمن الاحتفالي الكامل، وان يكون له وجود، حقيقي او افتراضي في المناخ الاحتفالي الكامل، وفي الطقس الاحتفالي الكامل، وان تكون لغته اليومية لغة احتفالية، وان تكون علاقاته الإنسانية احتفالية، وان تكون رؤيته للعالم رؤية احتفالية
وماذا يمكن ان نقول عن وطن غير احتفالي، تبنى فيه السجون ولا تبنى فيه المسارح، ولا تبنى فيه دور الثقافة ولا تبنى فيه دور الشباب ولا وجود فيه للساحات العامة ولا للحدائق العمومية؟ هل نقول بان فتح دار واحدة للشباب يمكن ان يغلق سجنا؟
المسرح في الحياة والحياة في المسرح
ولقد ارتبطت هذه الاحتفالية بالمسرح، حتى أصبحت هي المسرح، والمسرح هي، وانشغل الناس بمسرحها عن سائر علمها وفكرها وفنونها المتعددة والمتنوعة، والمسرح الذي سعت هذه الاحتفالية إلى تجديده وتطويره وتثويره وتحيينه وتحريره وأنسنته هو أساسا مسرح الوجود، وهو مسرح الحياة، ويبقى المسرح المسرحي، بآلياته وتقنياته ومنهجياته وأدبياته، جزء صغيرا في مسار ومسيرة هذه الاحتفالية الكبيرة والمركبة، وحتى بالنسبة لهذا المجمع الفكري والعلمي والجمالي الذي يسمى المسرح، فإن أمره أكبر وأخطر مما يظن كثير من النقاد، والذين يحصرونه في ما يلي:
هي حكاية تحكى وليس أكثر
وهي رواية تروى ولا شيء آخر
وهي فرجة تضحك الناس في المسرح الملهاوي
وهي مسرحية تبكيهم في المسرح الملهاوي
وهي متعة بصرية خالصة في مسرح هو مسرح الصورة
وهي مسرحية تقتل السام،وتقتل الملل، وتقتل الوقت ايضا، بالنسبة لمن لديهم مشكل مع الوقت، او بالنسبة لمن لديهم فائض في الوقت، ولهذا فقد كان ضروريا أن يقول الاحتفالي ما يلي:
(المسرح صعب سلمه، هكذا يقول بلسان حال الاحتفالية، والتي أنا مجرد كلمة في كتابها، وقد أكون مجرد حرف من حروفها، والتي لا اعرف بالتحديد عددها، وأنا ايضا مجرد صوت واحد من أصوات سيمفونيتها المتعددة، والتي لا اعرف عددها ايضا، وانا هذا الصوت الحاضر في التنظير و حاضر في الكتابة الدرامية وحاضر في النقد وحاضر في الإخراج المسرحي، وكل هذا وانا مجرد حرف من الحروف ومجرد صوت من الأصوات.
وقبل هذا، قيل نفس هذا الكلام تقريبا عن الشعر العربي، بان سلمه صعب، وانه ليس بإمكان أي كان ان يصعد هذا السلم، ونعرف أن شعرية هذا المسرح هي جزء أساسي وحيوي من شعرية الوجود ومن شعرية الحياة ومن شعرية هذا الكون اللانهائي واللامحدود، ولا يمكن أن يرتقي هذا السلم الصاعد إلى الأعلى والأسمى إلا الذي يعلمه ويدركه بشكل كامل وشامل، والذي يفهمه ويعيشه ويعشقه بشكل حقيقي وجديد ومتجدد، وهكذا أقول أنا اليوم في هذا النفس الجديد من هذه الكتابة المتجددة، وهكذا سوف أكتب هذا اليوم وفي كل يوم، ويخطئ من يظن أنه يمكن أن يمارس الفعل المسرحي ممارسة آلية ومزاجية وعشوائية وبلا معنى، أي بدون معرفة، وبدون علم، وبدون فهم، وبدون نظر عقلي، وبدون تنظير فكري، وبدون حس أخلاقي، فقط لذات هذا المسرح أولا، ولذات ذلك الكائن المسرحي الذي يسكننا ونسكنه ثانيا، ولذات تلك اللحظة التاريخية المسرحية الحية ثالثا، والتي نحياها ونحيا بها وفيها، والتي نحتفل ونعيّد فيها، والتي لا يمكن إلا أن نشبهها لحد التطابق التام، وأن تشبهنا في الكليات وفي الجزئيات وفي الثوابت و المتغيرات، وأن تشبهنا في كل شيء قد لا يخطر على بال احد من الناس، وبالتأكيد، فإن كل لحظة مسرحية، لا تشبه من يعيشها، ولا تشبه مكانها، ولا تشبه لحظتها الوجودية والاجتماعية، ولا تشبه لغتها وثقافتها وأعيادها، فإنها لا يمكن أن تكون لحظة احتفالية و مسرحية حقيقية .
نحن الأحياء نسكن المسرح، هكذا يقول الاحتفاليون دائما، وعنواننا الحقيقي موجود في هذا المسرح الكبير، والذي يسمى الدنيا، نعم، هو موجود فيه وبداخله وليس خارجه، وهذا هو ما قد لا تعيه كثير من العقول، والتي تبحث عادة عن الشيء الموجود خارج هذا الوجود، وذلك هو عين العبث، وهو عين اللامنطق، وكما أننا نسكن هذا المسرح، فهو يسكننا أيضا، وهو بهذا روحنا وجسدنا، وهو زينا الذي اخترناه، وهو جلدنا الذي اختارنا، وهو لغتنا الكبرى التي نعبر بها وفيها، والتي نتواصل بها ومن خلالها مع بعضنا البعض، ولهذا فقد كان مسرحنا الحقيقي أقرب إلينا من حبل الوريد ونحن لا ندري، أو لا نريد أن ندري، ومع ذلك، فقد تخيل البعض منا بأن هذا المسرح ـ مسرحنا ـ الآن ـ هنا ـ هو مسرح غائب، أو أنه كان غائبا في فترة معينة من التاريخ، مع أنه كان دائما حاضرا في حضورنا، وأنه كان حيا بحياتنا وبحيويتنا، ويخطئ من يعتقد أن هذا المسرح موجود هناك فقط، وليس هنا، أي موجود عند الآخرين، في الثقافات الأخرى، وفي اللغات الأخرى، وفي التجارب الوجودية والمسرحية الأخرى، وكيف يمكن أن يستقيم ـ منطقيا وعقليا ـ أن نقول نحن (موجودون هنا) ولكن مسرحنا موجود هناك؟
وهل يعقل أن ننطق نحن لغة عربية، وأن ينطق هو لغة إنجليزية أو فرنسية أو ألمانية أو إسبانية؟
ما ضاع هنا نبحث عنه هنا
مسرحنا إذن موجود فينا ومعنا، وهذا ما ظلت الاحتفالية تؤكد عليه، وذلك على امتداد عقود طويلة جدا، وهو موجود في حياتنا وحيويتنا، وموجود في لحظتنا الاحتفالية والعيدية الحية، والمتدفقة بالحالات والمقامات، وهو موجود في شبكة علاقاتنا الإنسانية اليومية، أي في احتفالاتنا الدينية والاجتماعية المتجددة، يوما بعد يوم وعاما بعد عام وقرنا بعد قرن، إلى ما شاء الله، وقديما قال سقراط كلمته المشهورة ( اعرف نفسك) وبالتأكيد فإن من ضيع نفسه، ومن ضيع لحظته، ومن ضيع صورته وهويته، ومن ضيع ذاكرته، ومن ضيع لغته، وومن ضيع تاريخه، ومن ضيع إرثه الثقافي والحضاري، ومن ضيّع وعيه بذاته وبغيره وبالعالم وبالتاريخ والجغرافيا، فإنه لا يمكن أن يجد مسرحه، وأين يمكن أن يجده؟
خارج المكان، أم خارج الزمان، أم خارج السياق الفكري والجمالي الذي ينتمي إليه؟
في مسرحنا إذن كثير جدا من الوهم السقيم، وفيه قليل جدا من الفهم السليم، ونعرف أن من سيئات وسلبيات النقد المسرحي المغربي والعربي اليوم، أنه لا يبدأ عمله النقدي من نقطة البدء الحقيقية، والتي هي إرادة المعرفة وإرادة الفهم، وبدلا عن ذلك، فهو يبدأ من نقطة إرادة الحكم وإرادة التحكم، ولعل هذا هو ما يفسر أن نجد هذا النقد غارقا في الأحكام الغريبة والعجيبة والمتناقضة، والتي لا تستقيم مع روح الفن ولا مع منطق الأشياء، ولا تتماشى مع منطق الفن ولا مع منطق الفكر، والذي لا يمكن أن يخلص إلى الحكم إلا بعد الفهم أولا، ومن يزعم أنه يمكن أن يفهم كل شيء في الفن، وهو أساسا إحساس وحالات ومقامات وشطحات وذوق وخيال وهذيان وحمى وعربدة فكرية وجمالية؟
هناك حقيقة أساسية وجوهرية ينبغي ألا نقفز عليها، وهي أنه لا وجود لمسرح حقيقي بدون عشق حقيقي، وبدون شغف مسرحي حقيقي، وبالتأكيد فإن من يعشق هذا المسرح ـ والذي هو أبو كل الفنون كلها ـ مطالب بأن يعرفه أولا، وهو مطالب بأن يبحث عنه ثانيا، وأن يصل إليه بعد ذلك، ومطالب بأن يعرف علمه وفنه وفقهه وبلاغته وآدابه وأخلاقه وطقوسه وصناعاته المتعددة والمتنوعة، وأن ينطلق دائما في بحثه واجتهاده وجهاده من الحقيقة الأساسية والجوهرية التالية، وهي أن الأساس في المسرح هو أنه فعل أولا، وأنه فعل حي ثانيا، وأنه فعل عاقل ثالثا، وأنه فعل حر رابعا، وأنه فعل مستقل خامسا، وأنه فعل محكوم بالتجدد الدائم سادسا، وأنه فعل جماعي واجتماعي سابعا، وهو بهذا علوم وفنون وصناعات متضامنة ومتحدة ومتناغمة فيما بينها، وهو تظاهرات وتمظهرات احتفالية وعيدية تصاحب الإنسان في حياته اليومية وفي مساره التاريخي العام، وترافقه من المهد إلى اللحد، وفي هذا المسرح الحي لا يمكن أن تكون غائبا، أو ان تكون مغيّبا، لأن شرطه الأساس هو الحضور، الفاعل والمنفعل والمتفاعل، وذلك لأنه لا مجال للتعييد المسرحي إلا بالحاضرين المتمسرحين والمعيدين، ولا معنى لأي احتفال مسرحي يغيب فيه المحتفلون والمعيدون، ويغيب عنه روح الاحتفال و موضوع الاحتفال مضمون الاحتفال و مناخ الاحتفال وأجواء الاحتفال، ويكون بلا حدث يحدث، وبلا واقعة تقع، ويكون بلا مناسبة وبلا معنى وبلا هدف وبلا إيقاع، ويكون بلا خطاب وبلا رسالة، ويكون بلا مناخ عام، ويكون بلا طقس احتفالي، ويكون بلا حالة وجدانية مشتركة و مقتسمة بين المحتفلين و المعيدين في اللحظة الاحتفالية المشتركة و المقتسمة.
و اختتم اليوم هذا النفس الجديد، بكلمة لواحد من الذين يبحثون معنا عن مسرح (نا) والذي قال في تعقيبه عن مقالة (راحة الروح في روح الاحتفالية) ما يلي:
(راحة الأرواح في روح الاحتفالية، هذا هو الأصل و هذا هو المسرح الذي نريد). هي كلمة صغيرة تتضمن كثيرا من المعاني الكبيرة والخطيرة، وهي تحمل توقيع ذ ركراكي الحسني، مما يدل على أننا ( كلنا) ينبغي ان نبحث عن مسرح (نا)
