الصمت في رمضان

الصمت في رمضان

توازن الروح في زمن القلق الكوني 

وقفة استهلالية:

يأتي رمضان هذا العام – كما أعوام كثيرة قبله – والعالم على حافة اضطراب كبير. فهذه لغة التهديد تتصاعد، وتلك التحالفات تتصاعد، والحديث عن حرب كونية لم يعد همسا بعيدا. في هذا المناخ، قد يبدو الحديث عن الصمت ترفا، لكن الحقيقة هي عكس ذلك : فحين يضطرب العالم، يصبح الصمت ضرورة أخلاقية.
1 – من صمت المعدة الى صمت الضجيج العالمي
اذا كانت الأجواء العامة لرمضان تعلمنا كيف نكبح الرغبات الجسدية. فاننا في زمن الأزمات العالمية نبقى مدعوين الى كبح نوع آخر من الرغبات :
رغبة الانفعالات الفورية
رغبة الاصطفاف الأعمى
رغبة اعادة نشر الخوف دون تمحيص..
واذا كان الصوم عن الطعام سهلا – نسبيا – فان الصوم عن الذعر يبقى من الصعوبة بمكان . ويبقى الصمت هنا ليس انكارا للواقع بقدر ما هو امتناع عن أن يتحول الى صدى للفوضى.
2 – رمضان كمدرسة تهدئة في زمن الاستقطاب
ان العالم يعيش اليوم استقطابا حادا على جميع المستويات : سياسيا، اقتصاديا، ثقافيا … دينيا … فكل جهة / طرف يرفع صوته، وكل خطاب يُقصي الاخر .
يحل علينا رمضان وتمضي أيامه متسارعة لتعيدنا إلى منطق مختلف :
منطق التزكية لا التهييج،  منطق الإصلاح الذاتي ومحاسبة  النفس قبل محاكمة الاخر … العالم .
هنا يستحضرني بعض مما جاء في “ أبو حامد الغزالي” الذي يرى بأن الاصلاح يبدأ من الداخل لا من الضجيج الخارجي . وهذا الدرس يصبح أكثر الحاحا حين تهتز الجغرافيا وتضطرب معها السياسة .
واعتمادا على ما تقدم نخلص الى أن الصمت هنا ليس حيادا أخلاقيا، بل هو حماية للضمائر من أن تختطف.
3 – صمت ماقبل العاصفة : الحكمة لا اللامبالاة
حين تشير الكثير من المؤشرات الى حرب محتملة، ويكثر الحديث عن سنريوهاتها، فتشتغل وسائل الاعلام بالحديث عنها والخوض فيها، وتتحول التحليلات … القراءات … التعليقات …
الى وقود لها. في هذه اللحظات يصبح الصمت فضيلة تفكير. ليس لأننا لا نهتم ، ولكن لأننا نرفض أن نتحرك تحت يافطة الخوف والترهيب. وقديما كان قد تم التنبيه الى خطورة الصمت حين يكون تواطؤا، لكننا هنا  أمام صمت من نوع اخر :
صمت التأمل قبل اتخاد أي موقف،  صمت التثبت قبل إصدار أي حكم.  ولعل هذا الشهر الفضيل يمنحنا فرصة الانفتاح على هذا الهامش كي نُبطئ …نُفكر… وأن لا ننحرف.
4 – من مائدة الافطار الى سؤال المصير
حين يُرفع الأذان، يسود صمت قصير قبل جرعة الماء وتناول أول لقمة. إنها لحظة امتنان، لحظة انتظار الأخبار، لحظة الحضور … والعالم يقف على أعتاب حرب واسعة، وهذا الصمت الصغير يحمل في طياته الكثير من المعاني منها :
أن اخماد نار الحرب مازال ممكنا، رغم كثرة الضحايا وتعدد الخسائر.
أن الهدوء مرهون بالتعقل ووضع حد للتهور الصهيوني والأمريكي بالأساس.
أن التوازن يبدأ من تفاصيل يومية تشمل كل الدول المعنية بشكل مباشر.
وأخيرا فإن الشهر الكريم لا يوقف رحى  الحرب، لكنه يمنعنا من أن نصبح حطبا لها.
5 – من صمت التوازن الى صمت الرجاء
ان الصمت الرمضاني ليس عزلة عن العالم بقدر ما هو مقاومة روحية للانحراف،  وهو – في حقيقته – توازن بين :
*   الوعي بالخطر
*   عدم الاستسلام للذعر
 *   الانحياز للعدل المجتمعي
 *   عدم السقوط في الكراهية
  *   وضع حد للجبروت الامبريالي والصهيوني على حد سواء.
فحين يخرج الصائم من نهاره الطويل، وقد درب نفسه على الصبر، وجسده على التحمل، وقلبه على الإنصات، ولسانه على الاقتصاد، فإنه لا يخرج فردا فقط … بل يخرج انسانا أقل قابلية للانجرار في زمن يشبه ما قبل العواصف، حيث تتضخم اللغة العدوانية ويعلو منسوب الخوف، ويصبح المستقبل غامضا.فيبدو الصمت الرمضاني وكأنه تمرين صغير أمام جرائم لا متناهية وأحداث كبيرة . لكن الحقيقة تكمن في أن التاريخ كثيرا ما تغير، لا بضجيج الصواريخ والمُسَيَّرات، بل بثبات المواقف وسمو الضمائر.
فرمضان لا يعفينا من مسؤولية المواقف، ولا يدعونا الى الحياد البارد بل يعلمنا أن الموقف الأخلاقي لا يُبنى على الذعر ولا على الكراهية، ولا على التهييج الجماعي، ولا على التحالف الامبريالي الصهيوني. وكأني به يريد أن يقول  أن الواحد منا يمكن أن يكون :
يقظا… دون يكون صاخبا
ملتزما … دون يكون منفعلا
خائفا … دون أن ينقل خوفه الى الاخر
وهكذا يلتقي الصمت في رمضان مع الهندسة المعمارية لحكايا الصمت السابقة التي انفتحت منها أبواب :
صمت الانسحاب الواعي
صمت السيادة الداخلية
صمت المسؤولية
 في انتظار أفق البوابة الخامسة – التي ستأتي لاحقا – فاذا كان الصمت قد أعاد ترتيب الذات ، وضبط علاقتها بالعالم ، وأكسبها توازنا محكما في زمن القلق . فانه يُفتح على سؤال أعمق ، نلخصه في :
كيف يتحول الصمت الى رجاء فاعل ؟
كيف يصبح قوة معنوية تحفظ الانسان حين يضطرب كل شيء حوله ؟
وبذلك أكون قد اقتربت من الذروة، ليست ذروة الانغلاق بل ذروة الانفتاح الهادئ والمتجدد.
المختار عنقا الادريسي

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *