عن الكتابة والقراءة
حكاية عن أيام خالدة خلت..لكنها في الذاكرة وشم أبدي

كم كنت أحس بلذة و سحر الكتابة وأنا في بداية مراهقتي، عندما كنت أخط بعضَ الرسائلِ لأسرتي وأنا المتواجد في منطقة بعيدة عن أسوار مدينتي استمتع بالعطلة، لقد كنتُ أستفيض في الكتابة لأعبر عن أشواقي كلِّها بسخاء زائد لأسرتي وأحبتي و كم تميزت رسائلي – تلك – بالصدق وبساطة الأسلوبِ لدرجة أنها كانت دوما تترك أثرها الطيب، وتحرر عيون الأحبة من دموعها، لذلك ما فَتئت قراءتُها تُعَاد أمام العائلة …الأحباب … الجيران … خصوصا أنني وأقراني كنا ننتمي إلى جيل ينتظر مرورَ ساعي البريد لتسلم الرسائل مباشرة من قريب غائب أو حبيب قريب أو حتى من خارج الوطن … وكم كنا نحترم أدبَ الرسائل بشكل كبير، سواءً في بلورة وصياغة أسلوبها أو الإعتناء بشكلها، وكنا شديدي الحرص على تنميقها بالخط الجميل، وبالغلاف الأنيق المزين بالطوابع البريدية الرائعة المتنوعة والمُجَارية لمختلف المناسبات الوطنية والدولية، دون أن ننسى تلك العبارة السحرية ( شكرا لساعي البريد ) إشادة منا واحتراما وتقديرا لدوره الاجتماعي الكبير .
و أنا في ذروتها – تلك – المراهقة كنتُ أهوى المراسلة، وأحرص على التراسل مع أقران لي داخل المغرب وخارجه، وهذه الهواية كانت مُفضلةً عند الكثير من أبناء جيلي. ولا أخفي سرا ان قلت لقد عرفتْ كتاباتي تطورا كبيرا من خلال مراسلاتٍ محددة مع بنت الجيران، وهي في حقيقة أمرها مراسلاتُ تحملُ همومَ تلك المرحلة التي كان يطبعها الحسًّ الثوريُّ آنذاك خصوصا وأننا كنا نقرأ لفطاحلة الفكر، أمثال “كارل ماركس” و “ماوتسي تونغ ” و”التوسر”و”مكسيم غوركي” و”سلامة موسي”، وغيرهم كثر. وكنا نحفظ ونغني أشعارٰ الشيخِ امام والفنان فؤاد نجم، وأغاني المجموعات أمثال “ناس الغيوان” و”لمشاهب” و “جيل جيلالة” … وغيرهم .
كنا نمارس فعل القراءة بشكل يوميٍّ، و نقرأ كلَّ الكتبِ المتاحة أمامنا، و نُناقشتها في الأزقة أو الحدائق وأحيانا بدور الشباب أو الخزانات البلدية حيث كنا نستعد للاِمتحانات، ونحضر للباكالوريا و الجامعة ليس من قلب غرف نومنا، أو من الصالونات المكيفة – كما هو عليه الحال الآن – بل كان يجمعنا الهواء الطلق إما بين الأزقة أو وسط الحدائق، حيث الأمان التام والاطمئنان العام بعيدا عن أي رياء اجتماعي أو خبث رفاقي، لم نكن نملك الهواتف النقالة أو أجهزة الكمبيوتر، بل كان سلاحنا يتحدد في الورقة والقلم وأحيانا بعض الكتب في وقت كانت الجرائد الوطنية بمختلف أطيافها معروضةً للاقتناء وليست للاطلاع، حيث كنا نُعزز القراءة اليومية بالقراءات الأسبوعية والشهرية، حسب نوعية المجلة التي تستهوينا، أو أنا نجد إليها سبيلا. كما كنا نقتني الكتبَ من المكتبات البلدية، أو من عند بائع الزريعة والحمص لأنها تكون أرخص بكثير …
أما إذا رجعنا إلى التعليم الابتدائي أيام العبقري الخالد، المرحوم【 بوكماخ 】حيث كنا نصاحب “سُعاد في المكتبة” ونجالس “زوزو يصطاد السمك” فان الأقسام الدراسية كانت تُؤَثَّتُ بمكتبة صغيرة، يعود الفضل في تبويبها واعدادها لنساء ورجال التعليم الذين واللواتي سهرن على اعدادنا لخوض غمار الحياة . فنتنافس على قراءتها والاستمتاع بها. ومن ذلك وبواسطته تولد لدينا عشق الكتابة من رحم تلك القراءة المسترسلة يوميا، علما أنه لا توجد أي وصفةٌ سحرية للكتابة غير القراءة والاستمرار فيها، وكأننا نستحضر بعضا من آيات سورة العلق:
【 اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم 】
