كتابات تأملية…

كتابات تأملية…

شغف منطفئ..

الشغف هو الوقود الخفي الذي يمنح العمل معنى، فإذا انطفأ صار الجهد عادة ثقيلة لا حياة فيها. كم من موظف بدأ مسيرته باندفاع وأحلام واسعة، ثم تحوّل مع مرور الوقت إلى آلة تكرر المهام بلا روح! هذا الانطفاء الصامت هو ما يُعرف بمتلازمة الاحتراق الوظيفي؛ حالة تستنزف الجسد وتنهك الروح، وتحوّل العطاء إلى صراع يومي للبقاء.

ما هي متلازمة الاحتراق الوظيفي؟

الاحتراق الوظيفي ليس مرضا عضويا ولا تشخيصا طبيا، بل حالة مهنية تنشأ من ضغط عمل مزمن لم يُدار بشكل سليم. تتجلى في الإرهاق الجسدي والعاطفي والعقلي، وفي شعور الموظف بأن جهده لا يثمر، وأن وظيفته لم تعد مصدر معنى بل عبء متواصل.
كثيرون يختبرون هذه الحالة دون أن يسموها؛ موظف يقضي يومه مرهقاً، يعود إلى بيته فاقداً للقدرة على التفاعل مع أسرته، أو شابة موهوبة تفقد شغفها شيئاً فشيئاً لأنها لا تجد اعترافاً بجهودها.

الاحتراق ظاهرة مهنية

منظمة الصحة العالمية صنفت الاحتراق على أنه ظاهرة مهنية مرتبطة بسياق العمل حصرا. إنه ليس مجرد “تعب عابر”، بل مزيج من ثلاثة أبعاد: نفاد الطاقة، مشاعر الاغتراب عن العمل، وانخفاض الكفاءة. وهو ما يجعل الموظف احيانا موجودا بجسده وغائبا بروحه، يؤدي مهامه دون حافز ولا رغبة.

أسباب الاحتراق

الأسباب متعددة، لكن القاسم المشترك بينها هو غياب التوازن والاعتراف. قد يتمثل السبب في إدارة متسلطة، أو غموض في التوجيهات، أو ثقافة عمل سامة تقوم على المنافسة المفرطة.
نعرف جميعاً موظفاً يعمل ساعات طويلة دون تقدير، أو آخر لا يُمنح فرصة للتطور رغم كفاءته، أو موظفة وجدت نفسها في بيئة مليئة بالصراعات الداخلية. هذه الأمثلة اليومية تختصر كيف يتحول العمل من فرصة للنمو إلى تجربة خانقة.

العلامات والأعراض

اكتشاف الاحتراق قد يكون صعبا، لكنه يظهر في تفاصيل الحياة اليومية:
• انخفاض الدافعية وفقدان الشغف.
• ضعف التركيز وكثرة الأخطاء.
• توتر وانفعال متزايد.
• شعور باللامبالاة تجاه المهام.
رأينا كثيرين يبدؤون مسيرتهم بطاقة عالية، ثم يتحولون تدريجياً إلى موظفين مرهقين ينتظرون نهاية الأسبوع كمن ينتظر الخلاص.

كيف نحدّ منه؟

الحل لا يكمن في “نصائح فردية” فحسب، بل في تغييرات مؤسسية جذرية:
• تواصل واضح: حين يعرف الموظف ما يتوقع منه، يقل الارتباك وتزداد الطمأنينة.
• مرونة عملية: كإتاحة العمل عن بعد أو ساعات مرنة أو مساحات للراحة، وهو ما يساعد على التوازن بين الحياة والعمل.
• تقدير الجهود: الاعتراف الفوري بالإنجازات، ماديا أو معنويا، يرفع المعنويات ويمنح الطاقة.
• الاستماع للموظفين: الاستطلاعات والحوارات المفتوحة تكشف جذور المشكلة أفضل من حلول عامة لا تمسّ الواقع.

لقد رأينا كيف تغيرت فرق عمل كاملة لمجرد أن مديرها منحهم حرية المبادرة، أو كيف استعاد موظف حماسه بعد أن شكرته مؤسسته علنا على إنجازه.

الاحتراق الوظيفي ليس قدرا محتوما، بل نتيجة لثقافة عمل يمكن إصلاحها أو إعادة صياغتها. المؤسسات التي تدرك أن الإنسان ليس آلة، وأن الطاقات إذا لم تجد فضاء صحيا تحولت إلى طاقة مهدورة، هي المؤسسات التي تضمن استمراريتها ونجاحها.

فأي مصير للعمل إن ظل قيدا يطفئ فينا الشغف ويستنزف الروح، وأي أفق له إن لم يتحول إلى فضاء رحب يحرر الطاقات ويمنح المعنى؟
وهل تعي المؤسسات أن صحة الإنسان وكرامته ليست تفصيلاً ثانوياً، بل هي الاستثمار الأصدق الذي يُبقيها حيّة وقادرة على الاستمرار؟

منير لكماني 07/12/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com