حينما يصير الحنين طريقًا… والوفاء مقامًا
يقول شاعر السيف والقلم وأحد قادة الثورة العرابية الراحل محمود سامي البارودي
في مطلع قصيدته الشهيرة
أُكَلِّفُ النَّفْسَ صَبْرَاً وَهْيَ جَازِعَةٌ”
وَكَيْفَ أَنْسَى دِيَاراً قَدْ تَرَكْتُ بِهَا
أَهْلاً كِراماً لهُمْ وُدِّي وَإِشْفَاقِي؟
إذا تَذكَّرتُ أيَّاماً بِهِم سَلَفتْ
تَحَدَّرت بِغروبِ الدَّمعِ آماقِي
فَيا بريدَ الصَّبا بَلِّغ ذَوي رَحمِي
أنِّى مُقيمٌ على عَهدِي ومِيثاقِي.
ليس البعدُ مسافة تُقاس بالخطى.. أو الأقدام.. أو الأمتار.. أو الأميال.. أو حتى السنوات الضوئية.. بل فراغٌ يتسع في القلب كلّما ضاقت بنا الطرق في ديارٍ تركناها، ما زالت أرواحنا معلّقة هناك كفوانيسٍ لم يُطفِئها الرحيل. فالوجوه التي أحببناها يومًا لم تغِب عنا قطّ، بل انتقلت من أمام أعيننا إلى داخل صدورنا وفي أعماق أفئدتنا، فصرنا نحملهم معنا حيثما سرنا… حللنا أو ارتحلنا… وكل ذكرى تمرّ بنا كنسمةٍ مسائية، تمسّ القلب برفق، ثم تترك خلفها رجفة شوقٍ لا تهدأ.. ف “الذين نحبّ لا يموتون حقًّا… بل يبيت بعضهم في قلوبنا كالنجم المضيء.” كما قال شاعر المهجر والفيلسوف اللبناني الراحل جبران خليل جبران. و«أجمل الأشياء في العالم لا تُرى ولا تُلمَس، بل تُحَسّ بالقلب.» كما كتبت يوما الأديبة والناشطة الأمريكية الراحلة هيلين كيلر في رسالة لها بعثتها إلى القس فيليب بروكس.
وحين يثقل الحنين قلوبنا، لا نجد سوى الدعاء طريقًا إليهم؛ نهمس بأسمائهم للسماء كأننا نعيدهم لحظةً إلى جوارنا، ونطمئنّهم في سرّ الغيب:
ما زال العهد حيًّا، وما خان القلب مودته.. «أن تُحب، يعني أن تعيش أكثر من حياة، لأن قلبا آخر صار يسكنك.» هكذا رأى أبرز أدباء فرنسا في الحقبة الرومانسية الراحل فيكتور هوجو في ملحمته الأدبية الشهيرة “البؤساء”.
الديار ما عادت ترابًا وسقوفًا، بل صارت وجوهاً طيبة، وأرواحاً لها في القلب محبة وحرص وخوف عليهم.. الأماكن هنا ليست أبنية، بل وعاء للذكريات ووجوه أهل وأقارب.. أحبة وأصحاب وفيها ينقل العاطفة من الإنسان إلى الموقع، ليصير المقام حيًّا فينا، نابضًا في أعماقنا… ويغدو النسيان خيانة لا يقدر عليها القلب الوفي. يقول الروائي الفرنسي الراحل مارسيل بروست في عمله الروائي الضخم “البحث عن الزمن المفقود”: «الذكرى ليست استرجاع الماضي، بل طريقة أخرى للعيش فيه.» كما يُنسَب للفيلسوف والناشط السياسي الفرنسي الراحل جون بول سارتر قوله: “الذاكرة هي الزمن الحقيقي للإنسان.”
قد يتحوّل الحزن إلى مشهدٍ كوني… والبكاء من فعل إنساني بسيطٍ إلى حدث طبيعي يشبه نهاية يوم… ويرتقي الحنين من مجرد ألم فقط إلى وفاء أبدي… حنينٌ لا يكسر بل يُطهّر ويُثبّت المحبة.
فالقلب الوفي لا يتعامل مع الذكريات كأشياء تُستبدل، بل كأمانات تُصان لا يملك رفاهية النسيان؛ فكل وجهٍ أحبّه صار جزءًا من نسيجه الداخلي، وكل لحظة صفاء عاشت فيه تحوّلت إلى نبضٍ من نبضاته. يقول الشيخ الصوفي والفقيه الحنفي صاحب الطريقة المولوية “مولانا” جلال الدين الرومي في “الديوان الكبير”: “كل ما تبحث عنه يبحث عنك.”. وينسب لأحد أباطرة الفلسفة الرواقية الروماني صاحب كتاب “تأملات” الفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس قوله: «ما يربط النفوس أعمق مما تفرّقه المسافات.».
والقلوب الوفية تبحث في زمن الحنين عن صدى من حضنٍ رحل، فتجده في دواخلها قبل أن تجده في خارجه.. لذلك يصبح النسيان عنده اقتلاعًا لقطعةٍ من روحه، لا مجرد طيّ صفحةٍ من الماضي.
فالقلوب العابرة تنسى لتستريح… أما القلوب الوفية فتتعب لتبقى صادقة… ولهذا قد يكون الوفاء ألمًا نبيلًا، لكنه ألمٌ يُبقي الإنسان إنسانًا.
و«الألم الذي نشعر به لفقدان من نحب هو الثمن الذي ندفعه مقابل الحب.» عبارة اشتهر بها الطبيب النفسي والخبير في دراسات الفقد الدكتور البريطاني كولين موراي باركس في كتابه “الفقدان: دراسات عن الحزن في حياة البالغين” كما اشتهرت بها الملكة إليزابيث الثانية في رسالة تعزية بعث بها وقُرئت في مناسبة تذكارية لضحايا هجمات 11 سبتمبر في كنيسة “سانت توماس” بنيويورك. قائلة: “لا يمكن لأي كلمات أن تمحي المعاناة والألم في هذه اللحظات.. الحزن هو الثمن الذي ندفعه مقابل الحب” كما اشتهر بها الكاتب والباحث الإيرلندي الراحل كليف ستيبلز «جاك» لويس الذي اشتهر بسلسلة الفنتازيا “سجلات نارنيا”، وروايات الخيال العلمي “ثلاثية الفضاء”.
حين يبلغ الحنين مداه… والحزن مبلغه… والألم أقصاه.. لايعود البكاء ضعفًا بل لغة يتكلم بها القلب حين تعجز الكلمات وكأن الإنسان، وهو يبكي، ينسجم مع إيقاع الوجود، ف «أغسطينوس.» كما يرى الأديب والفيلسوف الهندي الراحل “رابندرانات طاغور” . الحاصل على نوبل للآداب : كل شيء جميل يَمُرُّ هنا… وكلما مَرّ يترك فينا أثرَ ضوءٍ حزين يشبه لون السماء قبل أن يحل الليل… وكأن الكون كله يشارك في هذا الطقس الوجداني:
يعدو الغروب ليس حزن الشمس لوحدها بل حزن الضياء وهو ينسحب ببطء… وشجن الألوان وهي تخفت… أسى النهار وهو يُسَلّم مفاتيحه للظلام…
ويبدو الدمع الذي يهبط من العين كأنه غروب داخلي… فينكفئ نور الذكرى… ويميل دفء اللحظة نحو الأفق.. وتقف الروح صامتة تراقب أفول ما تحب…
نشتاق للأحبة كجذور لا تنفصل عن ذواتها إلا ظاهريًا.. هم دفء وذكريات… دم وانتماء… مائدة وبيت… طفولة وصبا… شباب وكهولة… فالعهد والميثاق ليسا وعداً عاطفياً عابراً بل التزامٌ أخلاقي وروحي… مقام من مقامات السالكين… حال يُعاش… والوفاء عبادة قلبية وخفية تُسمّى الثبات… والذكرى عهد لا يسقط بالتقادم… والمحبة مسؤولية وليست ترفًا…اتصال خفي وخيط نور ممتد بين الأرواح مهما تباعدت الأجساد.. «المحبة هي الثقل الذي يحمل الروح نحو ما تنتمي إليه.» كما يرى الفيلسوف وأحد آباء الكنيسة البارزين القديس أوغسطينوس.. المحبة سَكَنٌ لا مجرد اشتراك في الدم أو الذكريات… لا يفسده البعد لأنها متصلة بالمطلق وليس بالمكان…فمن أحبّ لله دام واتصل… وما كان لغير الله انتهى وانفصل.. لا تهزه المسافات ولا تغيّره الفصول… وهكذا يصير الحنين طريقًا… والوفاء مقامًا… والذكرى نورًا…
ويصير النسيم حين يمر رسولا بين قلوب اجتمعت يوماً وإن فرقتها الظروف والمسافات والإكراهات… بين كل روح أحببناها في الله ولله ثم غابت عن أعيننا وبقيت في دعائنا.
م.إسماعيلي
2026\02\05
