قصة قصيرة: غريبة

المدينة لا تعطيك وقتا لتفهم. تجر قدميك بين الضجيج والروائح، وتدخل محلبة كمن يدخل إستراحة قصيرة من حياته. هناك، خلف الكنطوار، فتاة تقطع الرغايف بيد ثابتة، كأنها تقطع يومها إلى شرائح متساوية كي لا يفيض عليها. لا تقول الكثير، لكنها حين تقول “حاضر” تسمع فيها شيئا يشبه التعب الذي تعلم الأدب. بعد أول مرة ستظن أن الأمر عابر. وبعد الثانية ستدرك أن بعض الوجوه لا تتكرر عبثا: إنها تأتي لتضع فيك أثرا ثم تتركك وحدك مع ما فهمته متأخرا.
دخلت المحل، وصرير أمعائي يفضحني. محلبة صغيرة عند ناصية تشبه نواصي المدن كلها: ضوء أبيض قاس يفضح الغبار، ثلاجة تهمس بطنين متواصل، وطاولة من إينوكس عليها آثار مسح متعب، كأن اليد التي تنظفها تقاوم فكرة الإتساخ أكثر مما تقاوم الإتساخ نفسه.
كانت تقف خلف الكنطوار. لم تكن “بائعة” بالمعنى البسيط، كانت عاملة، خادمة المكان إن شئت، تقوم بكل شيء دون أن يلحظ أحد أن في الخدمة إستنزافا بطيئا للروح. في أول العشرينات أو بعدها بقليل، لا يتيح وجهها تاريخا واضحا، كأن عمرها مسح مرات كثيرة حتى بهتت سطوره. بشرة سمراء على مهل، ليست سمرة شمس تضحك، بل سمرة تعب طويل. شعر مربوط بإهمال عملي، وكمان مرفوعان إلى منتصف الساعد، كأنها إعتادت أن تنقذ يومها من الحليب الساخن ومن عيون الناس معا. وعلى طرف إصبعها السبابة أثر حرق قديم، ندبة دقيقة تلمع حين تقترب من الضوء. شيء صغير كهذا كان كافيا ليرج داخلي إحساسا لا إسم له: أن من يطعمك قد دفع ثمنا من جسده.
قلت:
• “حرشة… ورايب… وشاي بنعناع.”
رفعت رأسها. لم تبتسم إبتسامة جاهزة. نظرت فقط، نظرة قصيرة مستقيمة، كأنها تثبت وجودها ثم تعود إلى العمل. قالت:
• “حاضر.”
في تلك الكلمة كان شيء زائد على معناها: قبول من غير إستسلام، وهدوء من غير رضا. بدأت تعد الطلب كما لو أنها ترتب شيئا أثمن من الخبز. سكبت الرايب في كأس زجاجي دون أن تسقط قطرة، ووضعت الحرشة على ورق بني، ثم فتحت شاي النعناع من إبريق معدني عليه طبقة رقيقة من البخار. رائحة النعناع جاءت صادقة، لا تلك الرائحة التي تشبه العطور الرخيصة، بل رائحة ورق دلك بين الأصابع قبل أن يلقى في الماء. كان في الحركة كلها إقتصاد قاس: لا زيادة في الإبتسام، لا إستعراض في الخدمة، فقط أداء دقيق كأن الخطأ في هذا المكان ترف لا يسمح به.
حين مدت لي الحرشة، تلاقت أصابعنا لحظة خاطفة. لم تكن لمسة رومانسية كما في قصص تزين الفقر؛ كانت لمسة مرتبكة من جهتي لأن يدها كانت دافئة أكثر مما ينبغي. دفء ليس من حرارة الفرن وحدها، بل من حرارة جسد يعمل بلا راحة. سحبت يدي بسرعة كأنني إرتكبت خطأ، وخجلت من خجلي، لأنني أدركت أنني أخاف القرب حين يكون القرب حقيقة لا زينة.
جلست قرب النافذة. خارج الزجاج كانت المدينة تمشي كعادتها: وجوه تسرع إلى لا شيء، ودراجات نارية تحدث ضجيجا بلا ضرورة، ورجل يجر كيس خضر مثقوبا تتدلى منه خضرة ذابلة. وأنا، لأول مرة منذ زمن، شعرت أن الجوع ليس في المعدة وحدها. الجوع قد يكون في النظرة، في كلمة “حاضر” حين تقال بلا تملق، في إنسان يقف يومه كله ليعطي الآخرين ما يطفئ وجعهم ساعة ثم يعود هو إلى وجعه.
في اليوم التالي عدت. أقسم أنني قلت لنفسي إنها صدفة. لكن الصدفة عند الفقراء تخرج من جيوبنا كثيرا، كأنها فكة تصر على العودة. هذه المرة كانت أقل حضورا. في عينيها شيء من السهر، لا ذاك السهر الذي يتباهى به العشاق، بل سهر يشبه ضيق الغرفة حين يقفل الباب على أربعة. وعلى رسغها سوار بلاستيكي رخيص، وفي طرفه عقدة مشدودة كما تشد الأمهات أشياء أطفالهن كي لا تضيع.
قلت:
• “ملوي ورغايف… وشاي.”
قالت وهي تخرج الملوي من كيس كبير:
• “الملوي سخون… غير صبر شوية.”
جملة عادية، لكنها قيلت بصوت فيه أثر إعتذار، كأنها تعتذر لأن الحرارة لا تسعفها لتكون ألطف. لم أسأل عن إسمها. كنت أخاف أن أعرفه، لأن الإسم يفتح بابا لا تقدر عليه حياتي. ومع ذلك، كنت أشعر أن لها إسما يسبقها، إسما يلبسها كما يلبس المعطف جسدا نحيفا في برد طويل.
دخل رجل في الأربعين، بدلة ضيقة على بطن مترهل، وعطر ثقيل يحاول أن يستر رائحة سجائر قديمة. وقف قريب منها أكثر مما يلزم. قال بنبرة فيها ملح رديء:
• “آش من نعناع اليوم؟ ديالك ولا ديال السوق؟”
لم ترفع رأسها. إنشغلت بتقطيع الرغايف. سكينها ينزل ويصعد بإيقاع ثابت، كأنه يقول للرجل: أنا أعمل، وأنت زيادة. لكن الرجل لم يفهم اللغة التي لا تقال. إقترب أكثر، وأنا من مكاني شعرت بشيء ينقبض في صدري. ليست الغيرة، تلك كلمة فاخرة لا تليق بالمشهد. ما شعرت به كان أقرب إلى العجز حين ترى الإهانة تصنع ببطء ولا تملك إلا أن تشهدها.
قال الرجل:
• “غير قولي ليا… واش إنتي بوحدك هنا؟”
هنا رفعت رأسها أخيرا، لا بعنف، بل بتعب صريح. نظرت إليه نظرة لا فيها تهديد ولا رجاء. قالت بهدوء بارد:
• “خليك فطلبك.”
كلمة “طلبك” كانت سكينا أنظف من سكينها. تراجع الرجل خطوة، ثم ضحك ضحكة قصيرة كأنها إنتقام صغير، وقال شيئا لم أسمعه جيدا وخرج.
حين خرج لم تتغير ملامحها كثيرا، لكن كتفيها هبطا هبوطا لا يراه إلا من ينتبه للتفاصيل. كأن جسدها يحمل يوميا ثقلا لا يذكر في الفواتير: ثقل النظرات، وثقل الكلام الذي يقترب ثم ينسحب، وثقل الإبتسامات التي تشترى بقطعة خبز.
لم أستطع أن أظل صامتا. قلت وأنا أدفع الثمن:
• “الله يعاون… هادشي صعيب.”
إبتسمت إبتسامة خفيفة، لم تنر وجهها، فقط حركت شفتيها كأنها تجامل الحقيقة. قالت:
• “الصعيب هو اللي كنعيشوه… وما كنبانوش.”
ثم، كأنها تداركت شيئا، أو كأن الكلمة خانتها فإضطرت إلى رتقها، أضافت بصوت أخفض:
• “سميتي… واش كتعرفها؟”
قلت: “شنو؟”
قالت دون أن تنظر في عيني:
• “غريبة.”
لم تقلها بإعتزاز، ولا بشكوى. قالتها كمن يذكر واقعة في بطاقة تعريف قديمة. عندها فهمت أن الإسم ليس زينة، بل حكم.
غريبة: ليست غريبة عن المكان، بل غريبة عن الراحة، غريبة عن الطمأنينة، غريبة عن أن يكون لها وقت لتفهم هي أيضا.
خرجت والكلمة تلاحقني: غريبة. لم تكن مجرد إسم. كانت اختصارا لما لا ينتبه له الناس حين يمرون:
أن بعض البشر يعيشون على هامش الضوء، يعملون كي تبقى حياتنا نحن مرتبة، ثم يعودون إلى غرف لا تتسع حتى لتنهيدة.
في اليوم الثالث لم أجدها. كان خلف الكنطوار شاب يسكب الرايب بسرعة ويضع الحرشة في كيس دون أن ينظر في وجه أحد. سألته بعفوية غبية:
• “فين البنت اللي كانت هنا؟”
رفع حاجبه كأنه يستغرب السؤال، ثم قال بلا مبالاة:
• “مشات.”
مشات. كلمة تختصر ألف إحتمال وتغلق ألف باب. قلت:
• “فين مشات؟”
هز كتفيه:
• “الله أعلم… اللي باغي يخدم كيبقى… واللي ما بقاش كيشد بلاصتو شي حد آخر.”
أخذت طلبي وخرجت. كانت المدينة هي نفسها، لكنها بدت أقل إنسانية، كأن شيئا صغيرا من روحها سحب دون إعلان. وعلى بعد أمتار من المحل، قرب موقف الحافلات، وجدت ورقة مطوية تحت حجر صغير، كأن أحدهم خاف أن تطير. لا أعرف لماذا توقفت والتقطتها. ربما لأنني كنت أبحث عن أي أثر يثبت أن غيابها ليس مجرد “مشات”.
فتحت الورقة. لم تكن رسالة حب ولا استعطافا. كانت سطرين بخط متوتر:
“ما تبقاش تسول عليا فالمحل.
اللي كيدير راسو كيشوف… كيشوف بزاف.”
قرأت السطرين مرتين. لم أفهمهما تماما، وهذا ما جعلهما يؤلمان. هل تقصد أن السؤال خطر؟ أم أن الرؤية نفسها صارت خطرا؟ وهل كانت غريبة تحذرني، أم تحذر نفسها من أن يراها أحد أكثر مما ينبغي؟
رفعت رأسي. في زجاج حافلة تمر ببطء إنعكس وجهي للحظة: رجل يحمل كيسا فيه خبز ورايب وشاي، ويظن أنه تعلم شيئا عن الحياة، بينما الحياة في مكان ما تبتلع فتاة إسمها غريبة وتعيد ترتيب المحل كأنه لم يكن هناك أحد.
وضعت الورقة في جيبي ومشيت. لم أشعر أنني خذلت منها، بل شعرت أنني خذلت من العالم الذي يجعل الإنسان يغيب كما تطفأ لمبة في آخر النهار. وفي جيبي كانت الورقة تحتك بالمفاتيح. كل إحتكاك كان يذكرني بأن بعض البشر لا يتركون لنا إلا أثرا صغيرا، لكنه يكفي ليجعلنا نستحي من طمأنينتنا.
لم أعد إلى المحل بعدها. لا لأن الجوع إنتهى، بل لأنني خفت أن أعتاد الغياب، وأن تمر “مشات” في أذني كما تمر أي كلمة عابرة، دون أن تنزف. بقي إسمها وحده يلمع في رأسي كلما مررت بتلك الناصية: غريبة، كأن المدينة كلها كانت تعرفها بهذا الإسم، ثم تظاهرت بالنسيان.
في مساء لاحق، لم أستطع أن أمنع قدمي من العودة إلى الناصية. لم أدخل، اكتفيت بأن أقف قبالة الزجاج، كمن يقف أمام مرآة يخاف أن يرى فيها وجهه الحقيقي. في الداخل كانت شابة أخرى ترتب الصحون وتضحك، والضوء نفسه يلمع فوق الإينوكس كأنه لم يمسحه أحد بيد متعبة من قبل. سألتها من وراء الزجاج، بإشارة خفيفة، كأن السؤال تهمة:
• فين غريبة؟
تطلعت إلي لحظة، ثم هزت كتفيها:
• شكون؟
رجعت خطوة. شعرت أن الإسم سقط من فمي على الرصيف ولم يلتقطه أحد. عند موقف الحافلات، بينما كنت أفتش جيبي عن النقود، لامست أصابعي ورقة ليست ورقتي. أخرجتها. كانت مطوية بعناية، وعلى حافتها نقطة صغيرة من شاي النعناع، كأنها ختم لا يراه إلا من عرف الرائحة.
فتحتها. لم يكن فيها إلا سطر واحد بخطها نفسه، حاد ومقتصد:
“اللي كيسول بزاف… كيعرف بزاف.”
رفعت رأسي تلقائيا أبحث عنها في الوجوه، في إنعكاسات الزجاج، في ظلال العابرين. لم أر أحدا. فقط رأيتني أنا، في زجاج الحافلة، أحمل كيسا دافئا كعادتي، وأحمل فوقه إسما باردا لا يجد له صاحبة.
وحين تحركت الحافلة، لمحت على المقعد الخلفي سوارا بلاستيكيا رخيصا بعقدة مشدودة. لم أعرف إن كان لها، أم أن المدينة بدأت تسخر مني، وتعيد تشكيلها في الأشياء لكي لا أنساها. مددت يدي لألتقطه، لكن الباب أغلق، وإنطلقت الحافلة فجأة.
بقي السوار هناك، يبتعد عني مع الزجاج، ومعه الإسم: غريبة.
وأنا، لأول مرة، فهمت معنى الورقة: ليس كل من يرى يبقى قادرا على النظر.
20/01/26 ألمانيا
