قصة قصيرة للكاتب المغربي نورالدين بقدير
ظــل العباءة
كانت عقارب الساعة تشير إلى السابعة مساء حين أنهيت عملي وتوجهت إلى المنزل مثقلا بتعب اليوم. وعلى جانب الطريق لمحت امرأة متوسطة العمر، جميلة الملامح، محتشمة اللباس، يكسو محياها وقار دافئ وابتسامة غامضة. لمحت إلي بإشارة ودودة كأنها تعرفني منذ زمن بعيد، حيّتني بثقة هادئة ومدّت يدها للسلام. فداهمني ارتباك مباغت لم أجد له تفسيرا، حينها أدركت أن بعض اللقاءات لا تولد صدفة.
في مستهل حديثها طلبت مني مبلغا بسيطا بحجة ما تسدّ به رمقها، وعلى استحياء محسوب أوحت بحقيقة ما تمتهن. وعندما ارتسمت الدهشة على وجهي، ابتسمت بسخرية وتهكّم، وقالت إن المجتمع يتقن ارتداء الأقنعة ويفضل النفاق على تسمية الأشياء بمسمياتها، ويقسو على الضحية بدل مساءلة الأسباب.
وبعد صمت قصير، قدّمت لي نفسها: حسناء، ابنة هذا الوطن الجريح، القادمة من ربوع الأطلس الصغير، حيث بدت حكايتها مع الألم مبكرا.
قالت لي بصوت خافت، كمن يبوح بسر يخشى أن تلتقطه آذان الناس، إنها تمارس عملها في الخفاء خوفا على أبنائها من قسوة الأحكام. وتحدثت بكل أسى ومرارة عن عالم غير عادل تختل فيه الموازين، حيث تحظى بعض النساء بالحماية والمال، فيما تبقى أخريات على هامش الحياة، في صراع ومعركة من أجل البقاء.
سألتها عن زواجها، فتنهدت كمن يستحضر ذكرى أليمة، وقالت إن الزواج لم يكن ملاذًا ولا خلاصا، بل فصلا آخر من العذاب. رجل قاسٍ غليظ القلب حول البيت من فضاء للسكينة إلى ساحة للرعب والخوف. ومع تراكم الجراح والمعاناة، قررت الانفصال حماية لنفسها وأطفالها.
سألتها عن العمل وعن سبب بحثها عن مورد رزق، فأجابت إجابة اليائس من الزمان، وحدثتني عن تجربة قاسية في إحدى الشركات كعاملة نظافة، وقالت إن مديرها كان يتجاوز حدوده بنظراته وكلماته الملتوية.
توقفت لحظة، ثم تابعت بصوت خافت:
”كان مدير الشركة يمر عليّ كل صباح، يقف قربِي دقائق قليلة كأنه يقرأ ملامحي، ثم ينصرف إلى مكتبه. كانت عادته أن يستدعي كل عاملة جديدة، خاصة إن كانت شابة وفي ملامحها ما يلفت الانتباه”.
وحين أحست أن كرامتها تهان، غادرت المكان وانسحبت فورا دون تردد، مفضلة فراغ البطالة على ذلّ المهانة. بعد ذلك، طرقت أبوابا أخرى بحثا عن فرصة، لكن غياب الشهادة وقسوة الواقع كانا دائما عائقين في طريقها.
سألتها: لماذا لم تبحثي عن عمل آخر؟
أجابت بهدوء: ”البحث عن العمل دون شهادة أمر صعب”.
وأضافت:
– ‘ليس لدي أي مستوى دراسي. كل ما تعلمته كان على يد ابنة الحاجة فاطنة، المرأة المسنّة التي كنت أعمل عندها كخادمة في البيت قبل الزواج. كانت ابنتها طالبة في الجامعة تدرس شعبة الفلسفة، تقرأ كثيرا وتجادل في الأفكار بلا خوف، وكنت كلما أنهيت أشغال البيت الشاقة… أجلس قربها فتفتح لي نافذة لتعلّمني بعض حروف الأبجدية، رغم ضيق صبرها أحيانا”.
وبينما كانت تحكي، رن هاتفها، فادركت أنّ موعدا آخر ينتظرها.
أخرجت مبلغا أكبر مما طلبت، وطلبت منها أن تعود إلى بيتها.
عدت إلى البيت مثقلا بأفكاري، فوجدت زوجتي قد أعدّت العشاء، واستقبلتني بابتسامة دافئة، دفء البيوت الآمنة. جلست إلى المائدة بلا شهية، فيما ظلّ طيف حسناء يلاحقني بصمت عنيد. وحين ارتميت على السرير، غلبني نوم عميق، وأنا أدرك أن بعض الحكايات والقصص لا تغادرنا بسهولة، لأنها تضع أمامنا مرايا قاسية تكشف وجوها خفية في مجتمع نفضّل أحيانا ألا نراها.
نورالدين بقدير: تارودانت / المغرب
