قصة قصيرة: للكاتب السعيد الحمولي

قصة قصيرة: للكاتب السعيد الحمولي
الجريدة

كان يا ما كان

السعيد الحمولي

كانت حكاياته لا كالحكايات، يشوبها الغموض والغرابة، يتذوقها الجميع ولايفهمها إلا قلة. أما نكته  ففريدة من نوعها، تقرأها في وجهه،  قبل أن ينطق بها اللسان. وذات يوم، وبعد أن نطق اللسان، أغرقني في الضحك، ومن كثرة ما كنت أتمنى أن أغرق أصبحت سباحا ماهرا عما كنت عليه من قبل، فتقدمت في الصيف الماضي إلى لجنة مختصة في اختيار أجود السباحين في إفريقيا. ولأنني كنت مرشحا كما الفريق الوطني في الكان، زاد ذلك من يقيني بالفوز. وعندما بلغ دوري في القفز والعيون تبص لي، والضجيج يصك أذني، وأمامي الأمواج العاتية، استحضرت في ذهني من فيض نكته كل ما سمعت من لسانه أذني. فأخذت أضحك وأنا أمام اللجنة ضحكا هستيريا أدهشني وأدهش الجميع.
كان أملي أن أغرق.. وتملكني إحساس بالسعادة لا يوصف وقفزت وسط المحيط، وكنت لا أزال أسبح وأغرق، وأسبح والنكت لاتزال ترن في أذني حتى بلغت ظلمة الأعماق.
كانت اللجنة تنتظر بما فيهم رئيس البلدية الذي جاء خصيصا لرؤية الفائز، ولما انتظر خروجي ولم أخرج بعد، قنط ورحل ولم يعد.
كان من حسن حظي.. والحظ لا يأتي إلا مرة، كما الغرق تماما لا يأتي إلا مرة في  حياة الغرقى، كالموت.
ومن حسن حظي كذلك أنه كان في نفس ذلك اليوم وفي تلك الساعة، وفي تلك اللحظة بالضبط، لجنة أخرى تنتظر أفضل غارق لا يعود، ولا يستطيع سباحو العالم ولو اجتمعوا على ان ينقذوه ما فلحوا.
تتكون اللجنة هذه من حوريات البحر الأحمر والمتوسط والمحيط تترأسها ملكة ملكات البحار، حورية الحوريات، وجميلة الجميلات، نصفها الأعلى امرأة فاتنة والنصف الآخر إبداع لا رأته عين ولا سمعت به أذن، كانت في غاية الروعة والجمال كما نتخيلها في الأساطير اليونانية والإغريقية.

كان اسمها شهرزاد تتميز عن باقي الحوريات بالحكمة والرشاد، وبالبصيرة والثبات، واستطاعت بفعل ما ترويه من قصص ألف ليلة وليلة، وقصص السندباد البحري، أي بوزفور،  أن تضيء الظلمة وتزيل الغمة وتأسر القلوب وتقنع العقول وتعوم في كل ما لا يمكن أن يخطر في بال الإنس والجان، فاستطاعت أن تجلس على العرش وتتحكم في كل ما يحتويه.
كان وجهها عندما تصحو يضيء ظلمة البحار، فيشع النور من جديد، وتجتمع الحوريات من كل حدب وصوب، يسبحن نحو عرشها في حفل سنوي لا كالحفلات، فيشع حسنها الذي ما رأته عين ولا سمعت به أذن. يتحول في كل لحظة إلى جمال يفوق جمال ما في  الأرض وما في السماء ،فتسبح  الحوريات وتسبح والأسماك والدلافين  وكل ما في أعماق ظلمة البحار إلى السطح. ويكثر الشطح والردح  إلى أن تنام، وعندما تنام، تعم الظلمة من جديد. تتحول كل نقطة ماء وكل نقطة في البحر الى ظلام دامس، ممتد في الزمن الى أن تفيق،  في السنة الموالية.
عندما رأيت عرشها أول مرة أخذت أسبح وأطفو  تحت الأمواج. وأعود إلى القاع، وبينما أنا في تلك الحال، بين مد وجزر وطفو وغرق، تحت تلك الأمواج،  ولما تراني بعد، إلتف حولي سرب من الحوريات وأخذنني بالأحضان، وتقادفنني الواحدة جهة الأخرى، كأنني لعبة عاشوراء،  وكلما تلقفتني إحداهن  وقبلتني، واحتك صدرها بصدري، أسمع صوتا عميقا يصك أذني. وأشعر برعشة غريبة، لاقبل لي بها،  وأنا أتابع في نشوة أناشيدهن وتطبيلاتهن والزغاريد .
كنت كالمستوه لا أعرف ما بي، وما جرى، وما سيقع، إلى أن بلغن بي الموكب الملكي، كان المحيط في تلك اللحظة مشعا كالنور ترى ما حولك كأنك تنظر من خلال مكبر، أو كأنك في حلم لم يأت الزمان بمثله من قبل، ولا سيأتي بمثله من بعد. كانت الملكة في تلك الأثناء قد فاقت من سباتها العميق، واقتربت من عرشها، ورأيت وجهها الجميل، يتحول  في كل لحظة من حسن إلى أحسن إلى فتنة لا توصف، كأنها حرباء . وعندما التقى وجهينا وجها لوجه، توقفت حربائيتها على وجه أعرفه، هذه نور حبيبتي المفقودة  التي كانت ترسم قدرها وقدري على الرمال.
كانت ترتدي نفس الملابس التي خلفتها على الشاطئ،  يوم اختارها البحر دون نساء الكون وكان شعرها الحريري قد طال، فأخدت أتعجب كيف أصبحت حبيبتي ملكة البحار. وقد كانت قبل أن تغرق غير ذي بال. أردت أن أسألها أن أتأكد أنها هي واحدثها عني، عن ذلك اليوم، عن كيف صرت بعدها، ولما أستطع بعد. أمرت صويحباتها بمرافقتي إلي البحر الأحمر ومن هناك إلى بحر إيجة وبحر قزوين…
كنت حتى تلك الساعة، والساعة في بحر الظلمات لا كالساعات في البحور الأخرى، وكنت في غاية الدهشة عندما بدت نور أمامي وهي تبتسم ابتسامتها الجميلة، وتسبح في كل الإتجاهات كأنها كوكب دري، لا تدركه الأبصار. لم أصدق بعد ما يجرى، وما أرى، والحوريات تسبح وتزغرد وتلتف حولي إلى أن وصلنا آخر محطة على شاطئ عين الذئاب.
كنت قد نسيت أن لجنة تنتظر خروجي إلى الشاطئ، تلك اللجنة التي لم تفلح في إنقاذ نور، تذكرت ذلك اليوم الذي  كنت أسبح فيه وحبيبتي، وكيف كنت أرشها وترشني بالماء، وكيف كنت أنكتها وكيف تحولت ضحكاتها إلى هستيرية، لا قبل لها ولا لي بها. ونحن  نسبح ونبتعد عن الشاطئ نحو الأعماق، أزالت المايو الأحمر وألقت به أمامي وأنا أسبح وراءها، وتغيرت ملامح وجهها حتى ظننت أنها ليست هي. وأخذت ترشني بالماء، ثم تستحم بالماء، ثم تطفو فوق الماء، ثم تغوص تحت الماء.  وازداد إشعاع النور حتى كاد يعميني. وسبحت بعيدا وتبعتها، وابتعدت أكثر وتبعتها، وابتعدت أكثر. أخذت تشير بيديها من بعيد. كانت كأنها تغرق وهي تشير بيديها.  ظننت والظن إثم، أنها كانت تودعني. وقد كانت.
غرقت نور، وأردت أن أغرق وراءها، معها، أن، ولكن اختفت،خطفها البحر. وتركتني دون أن يخطفني معها… وعدت بخفي حنين. عدت وليتني ما عدت. كانت الدموع تنهمر من عيني، والماء يختلط بالدموع، ولم أعد أميز بين الماء والدمع. ولم أعد أميز ما بين الحقيقة والخيال. وعدت لا أعرف من أنا. وبدأت الأمواج ترتفع وتنخفض وتتقادفني كالكرة حتى بلغت الشاطئ مخطوف القلب. مخطوف العينين، مخطوف اللسان، مخطوف العقل، مخطوف، مخطوف، مخطوف.
فر المستحمون كالطيور ولا أدري لم فروا عندما لمحوني من بعيد.
خلا البحر إلا مني ولمحت ملابسها من بعيد  فوق الرمال. وبقيت وحدي. تبانها بين يدي وملابسها فوق رأسي وأنا وأنا وأنا أبكي.
هدأت الأمواج  في غسق الليل المظلم. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت لا أبرح عين الدئاب، كأنني ذئب لا كالذئاب، لا أميز ما بين البحر والغاب، ودخلت في دوامة من جنون واكتئاب، لا مثيل لوصفها، حتى حار  الأطباء في أمري، ولم تستطع كل المحاولات التي بذلها علماء النفس  على إعادتي الي سالف عهدي. فلزمت البحر لا أبرحه. أنتظر كل غشت نور، والتبان الأحمر في يدي، وملابسها فوق رأسي، علها تعود الى أن التقت  عيني بالمكي صدفة هذا « الغشت ». وعندما رآني على ما أنا عليه، ما أنا فيه، ما أعانيه، أخبره السباحون بحالتي فرق قلبه المراكشي، وقال أشفيه…
لم تكن نكته في البداية تضحكني، وشيئا فشيئا أصبحت أبتسم،  وأصبحت أضحك حتى أستلقي على قفاي، حتى أصبحت أغرق،  وعندما تأكد أنني أغرق، تأكد أنني شفيت، فعاد إلي

« جامع الفنا » وأخذ  داخل حلقته يحكي قصتي.
كان يقول :
كان يا ما كان، واعتاد  قبل أن يتفوه بأي نكتة من نكته، التي تقتل بالضحك، أن يقول بسم الله الرحمان الرحيم، و يبدأ بحكايتي. كان يعلم أن الحكاية لا تجلب إلى الحلقة إلا نفرا قليلا من العشاق، ومع ذلك، كان يقول عندما يجتمع حوله العشاق..
كان ياما كان ويسرد حكايتي  مزهوا بنفسه، مدعيا أنه بز كل الأطباء، وكل علماء النفس، وأنه كان صلة الوصل ما بيني وبين نور، التي أصبحت ملكة البحار. و يحكي كيف التقيت بحبيبي  ذات يوم في القطار، وكيف استقبلتني في أعماق البحار. وكيف أصبحت وزيرا في مملكتها. ويحكي أننا وحتى هذه اللحظات لانزال ننعم بالحب، وبكل خيرات البحار. رغم أنني لم أرها حتى الآن.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com