قصة قصيرة للكاتب المغربي عبد الرحمن بوطيب: الجزء الأول “استعداد”
(حكاية المرجع الجديد حول قصيدة النثر الحداثية، قد أَعْثُرُ عليه في معرض كتاب مستعمل… أو ربما مهمل)
قصة قصيرة:
الجزء الأول (1/ استعداد)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
استهلال:
[ لا تبدأ الكتابة إلا بعد “رحيل”…
نلبس جلابيب أموات،
نتلفت إلى كل ما فات،
موتى نحن في وهم حياة…
وما كل ما نشتهيه آت ]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة القصيرة
* حكاية المرجع الجديد حول قصيدة النثر الحداثية، قد أعثر عليه في معرض كتاب مستعمل… أو ربما مهمل.
1/ استعداد
قبل أن أخرج للبحث عن مرجع جديد حول قصيدة النثر الحداثية في مكتبات حي الأحباس العتيق.
استيقظت باكرا، على جاري عادتي، استحممت، وقطّرتُ فنجانَ قهوتي الحارقة، دخّنت معها سجائر الصباح المنعشة وأنا أتصفح جديد العالم الأزرق الغارق في سواد… ألوان كانت بهية متمايزة ذاتَ زمن طبيعة عذراء تداخلت…
تسأل نفسك: ما بال هذه الألوان اختلطت وتداخلت دون رحمة بسابق انسجام.
شمس الصباح أطلت بوجه غير مشرق…
كعادتك، تسأل نفسك:
ما بال تلك الأشعة الذهبية انطفأ وميضها منذ هجم الليل والذئاب البشرية وحراس الليل والنهار المبصر المظلم.
ودوما تسأل نفسك:
ما بال القهوة الحارقة… السوداء القاتمة… بردت أوصالها بسرعة…
ما بال أخبار صباح الخير لا تبشر بخير…
ما بال فيروز لم تعد تغني كما كانت تغني للفجر والحب…
ما بال…
وأنت اليومَ في حاجة ماسة إلى ذاك المرجع العميق في “فن إعادة تدوير العالم في قصيدة نثر حداثية”.
عالم البشر في تدافعات… سأسحقك قبل أن تسحقني… أنا ذئب ماكر… وأنت خروف ساذج…
نعم، لقد انطلت عليك الحيلة وفكرتَ في تزيين جدار العالم بورود وأوراق جدران، قالوا لك إنها صناعة رفيعة تم إبداعها لك وحدك لتزين بها جدران عالمك، ولتزين بها جدران عالم جيرانك، وجيران جيرانك، إلى الجار الأسمر الجنوبي، هناك وراء رمال صحراء قاحلة… ولِمَ لا الجار الأشقر الشمالي، هناك بين أحضان صقيع متجمد…
أنت تؤمن بصناعة كونية مزعجة… قالوا عنها إنها قصيدة نثر حداثية… المرجع الفريد موجود بالضرورة في مكتبات حي الأحباس… مرجع نقدي كبير… أنت تعرف عن جواهره النقدية الكثير… هو مفتاح قُفْلٍ معطلٍ لحداثة معطَّلة، مثل سيارة والدك المرحوم المعطلِ دماغُه عن التفكير، سيارته “أوبيل” بهيكلها الخشبي الرفيع من شجر الصنوبر لم تسبق في حياتها سيارة أخرى… ولو واحدة… حياة صاحب “الأوبيل الصنوبرية” المرحوم رحّال محكومة بما قال لك يوم كان ذاهبا بك إلى أول مدرسة ستلقي فيها قلبك ووجدانك في قلوب أطفال من دواوير على جانب طريق طويلة… صغار لم يتعلموا حرفا قبل حروفك المنتظرة.
أصدقاؤك القدامى تناوبوا على التهام “المرجع الفريد في قصيدة النثر الحداثية “على نكهة قهوة مقهى موريتانيا، بذاك الحي العتيق المخملي “الأحباس”… نعم، موريتانيا، بصوت التاء الهادئة، لا بصوت الطاء الصاخبة… الأصوات عالم غابت عنه أصوات “نعيمة سميح” و”السيد درويش” وحتى صاحبك “زرياب”… لا ذَنْبَ للحمار في سرقة نهيقه نهارا جهارا… اللعنة على هذا الغباء الاصطناعي صار يغني… غدا سيرقص على إيقاعات “هز يا وز”… الرقص فيه وفيه… اصمت، عيب، اهتمَّ برقص حروفك على ورق غير مقوى… اخرج لتبدأ رحلتك إلى “ديار الأحباس” لاقتناء مرجعك النادر… أو على الأقل لاحتساء حروفه بالتناوب مع أصدقاء قدامى تعرفهم مقاعد “المقهى الموريتاني” بتقدير… ويعرفونها بحب، منذ زمن بعيد معطر بأوراق مهجورة محبوسة في أقفاص رفوف “مكتبات أحباس”…
لك أن تحتسي الحروف مع جرعات قهوة في “مقهى موريتانيا”… موريتانيا، هكذا، بهمسة تاء لينة طبعا… لا داعي للجهر بصوت طاء مطأطِئة رأسَها وقاعَها، ولا داعي لنهيق حمار لا ذنب له في سرقة نهيقه المنكر… النهيق على منابر من ورق مقوى أضحى موضة يتنافس عليها بعض قوم وما هم قوم… قوم ناهقون… بطاووسيتهم معجبون… لا يحتشمون، ولا يرعوون… العهدة على ذاك “الآلان دونو”، الذي زعزعنا بغمة “نظام تفاهة”… وما علينا ذنب في توصيف نهيق وناهقين… ناقل الكفر ليس كافرا… وهذا منطق نحتمي به من قيل وقال.
* يتبع
عبد الرحمن بوطيب / المغرب
