الشر لا يحتاج أسطورة كي يعيش

الشر لا يحتاج أسطورة كي يعيش

لا نملك ماضينا، لكننا نملك لحظة اليوم

صناعة المذنب

       منير لكماني

تتكرر الحكاية كلما ضاقت بنا أنفسنا: نبحث عن يد خفية نرمي عليها ثقل أخطائنا، ونفتش عن إسم جاهز يفسر ما نعجز عن تفسيره في داخلنا. هكذا يصبح الشر ضيفا دائما على حديث الناس، لا بوصفه سؤالا أخلاقيا صعبا، بل كأنه كائن مستقل يزور البيوت ويعبث بالنيات ثم يختفي. وبين خوف صادق ورغبة خفية في التخفف من المسؤولية، تتشكل ظاهرة تحويل الشر إلى عدو خارجي، وتبرئة الذات من لحظة الإختيار.

شماعة مريحة

حين نقتنع أن الشر يأتي من خارجنا، نصير أهدأ مؤقتا. ننام على فكرة أن القلب طيب بطبعه، وأن الإنحراف حادث طارئ سببه وسوسة أو تأثير أو صحبة أو ظرف. هذا التصور يمنح راحة سريعة، لكنه يسرق أثمن ما في الإنسان: الإعتراف بأنه قادر على أن يؤذي كما هو قادر على أن يرحم. الأخطر أن الشماعة تكبر مع الوقت، فكل خطأ يجد لها مكانا، وكل قسوة تحصل على مبرر، وكل ظلم يلبس ثوبا من الأعذار.

براءة مصنوعة

يحب الإنسان صورة نقية عن نفسه، خصوصا حين تكون السمعة قيمة كبرى، وحين يكون اللسان سريعا في الحكم، وحين يخجل المرء من الإعتراف بالضعف. عندها تتكون براءة مصنوعة لا تقوم على إصلاح حقيقي، بل على توزيع الإتهامات. يصبح الآخرون سببا دائما: شخص أغواني، ظرف دفعني، غضب أعمى، أو رغبة لم أتحكم فيها. والنتيجة أن الخطأ لا يتحول إلى درس، بل إلى قصة دفاع. نربح تبريرا ونخسر نموا.

الشر قرار

الشر ليس مادة سوداء تتسرب إلى الروح، بل لحظة قرار تتنكر بأشكال كثيرة. قد يبدأ بكلمة قاسية، بنظرة إزدراء، بتأخير حق، أو بصمت عن ظلم. ثم يتوسع حين نكرر الفعل بلا مراجعة. لذلك لا معنى لإدانة الشر إذا لم نر جذوره الصغيرة. معظم الكوارث الكبرى تبدأ بتنازلات بسيطة: كذب بحجة المصلحة، تحقير بحجة المزاح، أو إستغلال بحجة الحاجة. هنا تظهر حقيقة موجعة: لا أحد يخطئ بالكامل وهو يظن نفسه شريرا، بل يخطئ غالبا وهو يبرر.

ثقافة الفداء

عندما تتحول فكرة العدو الخارجي إلى ثقافة عامة، يصبح المجتمع بارعا في إنتاج كبش فداء. مرة يكون شخصا ضعيفا، ومرة يكون غريبا، ومرة تكون فكرة مجردة. المهم أن تبقى الذات الجماعية بلا مساءلة. ومع الزمن تتكون لغة جاهزة: نلعن ونشتم ونستنكر، ثم نعود إلى العادات ذاتها التي صنعت المشكلة. تتبدل الأسماء ويبقى السلوك. لذلك لا يختفي الشر بمجرد الكلام عنه، بل يختفي حين تتغير الممارسات اليومية: عدل في البيع، أمانة في الوعد، رحمة في الحكم، وحياء من أكل حقوق الناس.

شجاعة النظر

المواجهة لا تعني جلد الذات ولا إحتقار النفس، بل تعني شجاعة النظر إلى الداخل دون خوف. الإنسان الذي يعترف بخطئه لا ينقص قدره، بل يزداد صدقا. والصدق ليس خطابة، بل سلوك: إعتذار واضح، تعويض قدر المستطاع، وقرار عملي بعدم تكرار الفعل. حينها يتراجع حضور الشماعة تلقائيا، لأن المسؤولية تملأ الفراغ. كما أن التربية الأخلاقية لا تكتمل بالمواعظ وحدها، بل بالقدوة وبالعدل وبإتاحة فرصة ثانية لمن تاب فعلا.

بوابة الصدق

الشر لا يحتاج أسطورة كي يعيش، يكفيه أن نغض الطرف مرة، ثم نعتاد. كلما أسرعنا إلى إتهام قوة خارجنا، تراجع صوت الضمير خطوة، وإتسعت مساحة التبرير. السؤال ليس: من أغواني ؟ بل: لماذا قبلت؟ ليس: كيف حدث؟ بل: ماذا أفعل كي لا يتكرر؟ نحن لا نملك ماضينا، لكننا نملك لحظة اليوم: كلمة نعيدها إلى حقها، مالا نرده إلى صاحبه، إعتذارا لا نؤجله، وحدا نضعه لأنفسنا قبل غيرنا. فهل نريد حياة نظيفة في الظاهر فقط، أم قلبا يتعلم ويقوم نفسه؟ وهل نجرؤ على أن نعترف: أنا أخطأت، أنا مسؤول، وأنا قادر على أن أصير أفضل؟

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com