هوامش في الكتابة الروائية 2
الرواية هي الرواية
نواصل نشر الجزء الثاني من مقالة الناقد والكاتب المغربي نور الدين صدوق حول الرواية. قراءة ممتعة.
**********************
المفارقة

1 _ يمكن القول بأن الرواية هي الرواية. ومهما اجتهدنا ضبط مفهوم لجنسها، فإننا سنكرر ما قيل بأن الرواية نثر خيالي يتأسس على الترميز من خلال حكاية عن حدث اجتماعي أو واقعة ذاتية. وحتى تحقق الحكاية قاعدة تلقيها، تنهض على مكونات لابد من توافرها في جنس الرواية.
2 _ إن الروائي حال الانخراط في التأليف أو التفكير الروائي، يمتاح مادته من الماضي _ كما سلف_ ، مما انتهى زمنيا. بمعنى أن الماضي المنكتب يغدو الحاضر المقروء. وحتى تتحقق النقلة الزمنية فإن التخييل يمثل جسر العبور، علما بالتفاوت الذي يسم ذكاء التخييل بين الروائيين، وأيضا نوعية المقروء المتجسد في مرجعيات تقولها الرواية، ويفصح عنها الروائي أو يغيبها بالتدوين في النص المنجز مادامت تعكس ثقافة الروائي.
3 _ يتحقق تلقي الرواية _ وباستمرار_ وفق التعاقد أو الاتفاق بين الروائي وقارئه. يتمثل التعاقد في جنس: رواية دونما إضافة. فلا يمكن أن يكون التحديد رواية وتقرأ على أنها سيرة ذاتية، أو تضيف تصنيفا يسهم في الإجهاز على مفهوم جنس ككل.
يحدث ألا يكون ثمة تحديد أجناسي وفق ما طالعنا في روايات غربية أدرجها “كولن ولسن” في كتابه “فن الرواية”. وأمام وضعية كهذه، يلزم التفكير وفق طرح السؤال:
_ ماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟
يقود التفكير في الرواية إلى أنه إذا كان ما يقرأ سرد أدبي يؤدي وظيفة حكاية متكاملة العناصر، فإن تغييب التجنيس يؤكد أننا أمام سرد قصصي أو روائي، وليس على التلقي سوى أن يتقبل المعنى كما هو من منطلق كون النص يحدد أجناسيته من داخله.
ويمكن في حال وضعية كهذه أن نقوم بقراءة النص باعتماد قاعدة المقارنة بين النصوص بغاية الوقوف على المشترك الأدبي. لكن ما الداعي إلى تغييب تحديد الجنس بالدقة المطلوبة؟
لقد أكدت البدايات السردية في القصة والرواية، أن تقاليد أدبية جديدة وليدة النشأة والتكون. هذه تباين ما درج على تلقيه ككتابة شعرية. ويلزم من ناحية وقت للانخراط في توسيع دوائرها. ويقتضي التوسيع وبالاحتكام إلى المقارنة والمشترك، التأسيس لنظرية في الأدب والنقد تقعد _ ولو نسبيا _ ضوابط الجنس النثري السردي الجديد، وهو ما تحقق _ وإن في اختلاف _ لتظل الرواية هي الرواية، حكاية تحكى عن حدث ذاتي شخصي أو واقعة اجتماعية.
4 _ ينزع بعض الروائيين، وهنا المفارقة القصد إلى الكتابة الروائية من منطلق مغاير لما هو متداول معروف. إذ يتولد التفكير الروائي باللجوء إلى شخصية تاريخية _ وعلى الأغلب _ ذات مذهبية صوفية. من ثم يتحقق الوقوف على تفاصيل من حياتها تسرد في ترتيب تاريخي يسمه السرد وليس التخييل. كمثال الحديث عن ابن خلدون، ابن رشد، لسان الدين بن الخطيب، ابن عربي أو ابن الرومي. فما يسرد يكون معروفا متداولا، وما تكفل به الكاتب الجمع والترتيب. وهنا يطرح السؤال: أين تكمن درجة التخييل؟
بدءا أعتقد بأن ثمة فرقا بين صيغتين في التأليف الروائي: المألوفة، وتتم حال تخليق الصورة الروائية مما يعد ذاتيا أو اجتماعيا. فالروائي (يبتكر) ليرسم أمام المتلقي ما يعد جديدا عليه مطلق الجدة، أقول ما لا يعرفه وقد انتهى حكاية في رواية. على أن الروائي في هذه الصيغة، قد يجعل نصه ينفتح على ما يضيف إلى البناء الروائي الذي يؤسسه دون فقد الهوية المحددة. كمثال: ” نجمة أغسطس” لصنع الله إبراهيم. ومن الممكن أن يترك دفق الاسترسال يمضي في الحدود التي يرسمها له التخييل.
تنتج هذه الصيغة معنى الرواية من داخلها، وليس من الخارج. فالروائي لا يفكر سوى في روايته، ومن الممكن أن تمضي سنوات عليه سنوات يؤسس فيها لبنائه الروائي في محاولة لخلق الإقناع وقابلية التلقي الروائي.
وتضعنا الصيغة الثانية أمام نموذج في كتابة السيرة وليس الرواية. فما تتحقق قراءته معرفة مدركة في التاريخ أو الفكر يتم تأليفها وفق لغة سردية توحي وكأن المادة روائية محض، فيما هي تقع خارج دائرة التخييل الروائي. إنها سيرة غيرية وليس رواية كما يتم تجنيسها. فأن تقرأ عن حياة ابن رشد، معناه أن تعيد إلى معارفك السابقة ما تعرفت عليه من قبل في مؤلفات المفكر الراحل محمد عابد الجابري. وهنا التباس التجنيس الأدبي. إذ يفترض ملاءمة التحديد لما هو مكتوب. بمعنى الوعي بأن الأخير سيرة غيرية وليس رواية. قد يقال بأن مكونات الرواية متوافرة. وهو قول صحيح لولا أن نقلنا لوقائع حدث صادفنا في الطريق لا يعدم ذكر الزمن، المكان، الشخصيات وتفاصيل الحدث، علما بأن النقل يتباين بين مشاهد واصف وآخر.
ويتجسد التباين في الحذف والإضافة.
على أن السؤال الذي يطرح، يرتبط باللغة. وهنا تستوقفنا ثلاث مستويات:
1/ المستوى الموضوعي
2/ المستوى السردي الموضوعي
3/ المستوى الروائي الحكائي.
إن القصد بالمستوى الموضوعي، الصوغ الفكري العقلاني الخالي من روح التخييل الأدبي. مستوى الدراسة والبحث. ويحق التمثيل عنه بما كتبه أو يكتبه المفكر عبد الله العروي، محمد عابد الجابري أو محمد أركون.
ويمتزج في السردي الموضوعي توظيف الصيغة الحكائية بهدف قول الموضوعي كفكر أو كأحداث تاريخية. وأرى بأن الاقتدار والكفاءة في هذا المستوى يتفرد بهما الكاتب اللبناني أمين معلوف. وأمثل بكتابيه الأخيرين:
” غرق الحضارات” و”متاهة الضائعين”. فالمتلقي في وضعية تلقيه المادة يجد نفسه أمام حكاية الغاية منها الحقيقة، حقيقة الفكر والتاريخ. وأما صورة معلوف الروائي فيستدل عليه بنماذج هي: “سمرقند”، “التائهون”، “سلالم الشرق”، “بدايات” إلى آخره. وأرى بأن قلق الإبداع بخصوص التجربة الأدبية لمعلوف يكمن في إشكال التمييز بيم ما يعد سردا فكريا، وحكيا روائيا. فمعلوف في “الحروب الصليبية” يختلف عنه في “التائهون”. إنها وضعية الجلوس بين مقعدين: مقعد النزوع إلى قول الفكري الموضوعي سردا، ومقعد الحنين إلى التعبير عن الوجدان حكيا.
وأما اللغة الروائية الحكائية، فتعتمد _ كما سلف _ التخييل والترميز. وتتفرد بالسمة الأدبية العالية التي تتأسس على مكون رئيس الوصف المرتبط بالشخصية والمكان. إذ من خلاله تتشكل الصورة الأدبية الشاعرية. لنتأمل عالميا الجزء الأول من ثلاثية “هرمان بروخ” الموسوم ب “الرومانسي”. وعربيا كتابات: حيدر حيدر، واسيني الأعرج وسليم بركات.
5 _ تتوسع دائرة المفارقة المتجسدة في كتابة السيرة الغيرية، والاعتقاد بوهم الرواية، لما يتم الخوض في التنظير للتجربة، كأن يقال “الرواية العرفانية” أو “رواية التأهيل الروحي”. وحتى أمثل أورد ما جاء في مقدمة “ابن الخطيب في روضة طه” (دار الآداب. بيروت. 2012) في صيغة بيان حمل عنوانا له “بيان أدبي حول هوية النور، علما بأن للراحل الأستاذ عبد الهادي بوطالب نصا أدبيا لم يجنس بمثابة سيرة غيرية وسمه ب “وزير غرناطة” (لسان الدين محمد ابن الخطيب السلماني). بمعنى آخر أن التجربة لا تعد الأولى على مستوى الأدب المغربي الحديث، مما يفرض المقارنة بين السابق واللاح، مثلما أن للأستاذ بنسالم حميش نماذج روائية تندرج في الاختيار ذاته لنا أن نذكر منها: ” مجنون الحكم: ” العلامة”، ” هذا الأندلسي” ومؤخرا “السلطان المولى إسماعيل”. يقول عبد الإله بن عرفة:”.. لقد استوى المر حتى الآن على ست روايات، هي جبل قاف، بحر نون، بلاد صاد، الحواميم، طواسين الغزالي، وابن الخطيب في روضة طه. فالرواية الأولى جبل قاف رواية القلب الكلي كمنصة للتجليات، والرواية الثانية بلاد نون حول النفس الكلية، والرواية الثالثة بلاد صاد، حول الصورة الكلية. وهذه هي السلسلة الأولى للأحرف النورانية المفردة. وتلتها السلسلة الثانية مع رواية الحواميم ورواية طواسين الغزالي، ورواية ابن الخطيب في روضة طه، للحديث عن انتقال هذا النور.” (ص/9)
يحدد ابن عرفة مفهوم الكتابة الأدبية الذي ينخرط فيه ب”الكتابة بالنور”. ويؤسس من هذا المنطلق ما يعده مشروعا (روائيا) قسمه إلى قسمين: قسم الأحرف النورانية المفردة، ويتضمن ثلاث نصوص المشترك بينها لفظ الكلي أو الكلية. وأما القسم الثاني فيشمل السرد الحياتي والتاريخي لشخصيات معروفة. إذ يبرر الاختيار في ذات البيان بالقول:
“فالكتابة عن ابن العربي أو ابن سبعين أو الشستري أو الغزالي أو بن الخطيب أو ابن خلدون يجب أن يحظى ابتداء بالكونية، بالنظر إلى قامة هؤلاء في التاريخ الإنساني.” (ص/ 11)
بيد أن ما يلاحظ عن البيان الموجه لتجربة أدبية تمتد من (2002) وإلى اليوم، هيمنة النظر النقدي. فعبد الإله بن عرفة يوازي بين كونه مبدع التجربة وناقدها. بمعنى آخر: إني أكتب، ويجب أن أقرأ وفق التحديدات المتضمنة في البيان. وهنا يقيد الفهم والتأويل وتنتفي حرية الناقد في تلقي النص، مثلما يغيب المكون النفسي المتجسد في التلقائية. وتضعنا الملاحظة الثانية _ وبالاستناد للسابق _ أمام تصور عبارة عن تخطيط لمشروع كتابة لا أحد يستطيع التكهن بحدودها النهائية، حيث يصعب تشكيل تصور نقدي جامع عما لم ينته بعد. وهو ما لم يسبق في سياق قراءاتي للرواية المغربية أن وقفت عليه. وقد يكون تحقق عربيا مع الروائي عبد الرحمن منيف في خماسيته، وأحمد أبراهيم الفقيه في ثلاثيته وأيضا في ” المقال”
وتعكس الملاحظة الثالثة هيمنة المعجم الديني الصوفي على لغة البيان، عن لم يكن على التجربة الأدبية برمتها سواء في مستواها الأول الأقرب إلى التأمل، أو الثاني الذي يعد كتابة سير غيرية. على أن السؤال الذي يطرح وبالاعتماد على الملاحظات السابقة: ما الذي يبقى من تجربة أدبية أو مشروع كهذا؟
دأب نقاد ودارسون للرواية القول بأن ما من روائي إلا ويبدع رواية واحدة، فيما بقية آثاره ملحقات. والواقع أن زعما من هذا القبيل قد يصدق على تجارب روائية مفردة دون تعميمه. فالحديث عن الروائي الطيب صالح ارتبط ب “موسوم الهجرة إلى الشمال”. وأما عبد الرحمن منيف فاقترن ب”شرق المتوسط” بالرغم من “مدن الملح” و”قصة حب مجوسية”. وفي الأدب المغربي الحديث، نستحضر الكلاسيكيات التالية:
” في الطفولة”، “دفنا الماضي”، “الغربة”، “المرأة والوردة” و”الطيبون”.
إن الرواية الأثر، أو البصمة، تخلد مبدعها إلى الأبد.
ولذلك أعتقد بأن التجربة الأدبية الصوفية لعبد الإله بن عرفة أو غيره ممن ينحو المنحى ذاته، لن تمتلك ما أدعوه الأثر الخالد أو المخلد.
وتندرج في السياق التجربتان الأدبيتان الأخيرتان للأستاذ أحمد التوفيق: “جيران أبي العباس” وهي (حكاية)
تتعلق بأحد رجالات مراكش أو العباس السبتي أحمد الخزرجي (أترى لا يعيد بعض الروائيين سوى كتابة ما سبق؟)، و”واحة تينونا أو سر الطائر على الكتف”( كان يمكن الإبقاء فقط على “الطائر على الكتف”) إذا ما ألمحت للعلامات التي برزت منذ “جارات أبي موسى” و”شجيرة حناء وقمر”، وتثبت النزوع الديني الصوفي في الكتابة الأدبية. وثانيا، ينبغي الحرص على تأكيد التباين من حيث قصدية التفكير في الكتابة. فالنص ” جيران أبي العباس” سيرة غيرية، بينما “سر الطائر على الكتف” رواية محددة في “التأهيل الروحي”، وكأن الهدف من التلقي الانخراط في التأهيل أو الدعوة. وكان يمكن الإبقاء على الصورة التي انتهى إليها النص بعيدا عن قصدية التوجيه التي تقلص دائرة القراءة، وتؤطر الرواية تأطيرا سلبيا. وهو في نظري ما يعيه مطلق الوعي الأستاذ أحمد التوفيق بخصوص الوظيفة التي يؤديها الخيال في الكتابة الروائية. يقول في حوار له:
“الخيال ليس جامحا في بعض رواياتي قهي من الجنس الذي يعتمد مرجعيات في الحياة بكل منطقها وتأثيثاتها.”
إن علاقة الروائي بالواقع الذي يعيشه ويتفاعل معه تظل ثابتة، بحكم المرجعية المؤسسة لإبداعية الرواية.
إلا أن فعل التخييل وتذويب الواقع في صورة جمالية تتماهى وما يعد حقيقة دون أن يكونها، ما يمنح الرواية قوتها. فما من رواية تبدع بعيدا عن الواقع، إضافة إلى تمثل المقروء في صيغته الروائية العالمية والعربية. لكن الإشكال القائم يتجسد في:
_ هل الروائي روائي بالفعل؟
_ كيف يمكنه الإسهام في إنتاج المعنى الروائي؟
