بلا وجه..

بلا وجه..

سلطة اللغة والثقافة

     لحسن أحمامة

ما زالت تطالعنا بين الفينة والأخرى أسماء مغربية مقيمة في المهجر، من خلال كتاباتها الإبداعية بلغات البلدان المضيفة، وهو ما يشكل قيمة مضافة في المشهد الإبداعي المغربي. ولعل ما يميز هذه الأسماء كونها حافظت على ثقافتها الأصلية، مجسدة إياها في كتابات تجمع بين المحافظة على هويتها وتنوعها الثقافي من جهة وما تأثرت به من خلال انفتاحها على ثقافات هذه البلدان التي احتضنتها، أي ثقافة المهجر، من جهة أخرى. هكذا جاءت معظم كتابات هؤلاء المبدعين المهاجرين تجسيدا للتثاقف، وللتسامح، ولتفاعل وتصالح الحضارات. ذلك أن التشرب بحضارات أخرى من شأنه أن يخلق رؤى جديدة وتصورات تزيد من جودة هذه الكتابات الإبداعية.

                      عز الدين المتين

عز الدين المتين واحد من هؤلاء. هو روائي مقيم ببرلين، ينشر رواياته باللغتين الألمانية والفرنسية. صدرت له حتى الآن روايتان باللغة الألمانية، “ساحة المرأة المرأة“، و “المصنف“، وباللغة الفرنسية “سليمان بستاني الكلمات” (2018)، و “اعترافات لغتي” (2021)، و “بلا وجه” التي هي موضوع هذه الدراسة. و لكونه أستاذا للفلسفة فقد جاءت كتاباته في مجملها محملة بالتراث الفلسفي و العلوم الإنسانية بصفة عامة. كل ذلك بأسلوب سهل وعميق يكشف في ذات الآن عن دربه في الكتابة التخييلية، و تبصر ثاقب معالجة المواضيع التي يتطرق إليها.

في بنيته، يتألف هذا المتخيل السردي من أربعة أجزاء، كل جزء يتكون من فصول كل عنوان فيها يشكل أعلى اقتصاد للفصل. وفي خط تصاعدي، نقرأ تحولات الراوي بما هو شخصية مركزية، والأحداث التي يعيشها.

تحكي الرواية سيرة خالد الجرموني الذي سافر إلى ألمانيا الشرقية في بداية ثمانينيات القرن الماضي، للحصول على شهادة مهندس ميكانيكي. خلال دراسته يلتقي بكاثرين. يتزوجان ويرزقان بطفل، روني. يعود إلى وطنه، إلى مدينته لقطع صلته بالكل مع موروثه الثقافي، أي الانفصال عن هويته، وذلك من أجل تقمص ثقافة غربية. بين التنصل من ثقافته، والانغماس في ثقافة الغير، تقع مأساته، ويسقط قتيلا بعد رميه من شرفة شقته في الطابق السابع من قبل ابنه الذي سيلتحق بالنازيين الجدد، الرؤوس الحليقة.

تسعى هذه الرواية إلى النظر في عواقب انسلاخ الفرد من هويته وثقافته ، وكذلك التعصب الثقافي ذلك أن الراوي، خالد الجرموني، لا يسافر فقط من أجل استكمال دراسته في الهندسة الميكانيكية وحسب، وإنما أيضا للهروب من واقع سيعرف حقيقته لما يشرع في إعداد الوثائق المطلوبة للحصول على جواز السفر:

“ما إن وجدتني خارج البيت حتى تخلصت من بصقة كبيرة”( ص.19). يوحي هذا التصرف بكره الراوي لثقافته وبحثه عن حريته التي تخنقها هذه الثقافة: ” بما أن سؤال ” ماذا سيقول الآخرون؟” لازمني باستمرار، فقد كان علي أن أراهم كل يوم. هذه طريقة لتهدئة نفسي، لأرى ” الآخر” أمامي قبل الإقدام على أي شيء، للتأكد من وجودي ومن أنه كان يعرفني. كانوا هما للإكراهات الخارجية. وكانوا هم الذين يضعون الأعراف الاجتماعية. كنت أبحث عن اعترافهم كيما أوجد” (ص.21) هكذا يميز الراوي بين العيش والوجود. ذلك أن الحيوان يعيش فيما الإنسان يوجد. من حيث أن الوجود هو الضامن لحياة الفرد داخل المجتمع. وعدم الاعتراف بوجود الفرد إنما هو الحكم عليه بالعدم. وجود الفرد معناه الاعتراف به ككيان، وكذات وهو ما كان يعاني منه الراوي: ” نظر الشرطي بعيدا وبصق على الأرض قبل أن يصرخ:

– ابتعد عن طريقي أيها الوغد الصغير، وإلا أفرغت هذه الخراطيش في أسفل بطنك !” (ص. 25). يتحقق إذن الوضع الاعتباري للشرطي من خلال وظيفته من حيث كونه ممثلا للسلطة ولممارساتها القمعية. غير أن هذه السلطة تذوب أمام بعض الممارسات الخرافية: ” مجمر بدائي  وبعض الشظايا العضوية كافية لممارسة هذه القوة على رجل، حتى ولو كان من أقوى الرجال.” (ص. 27)

من خلال تقنية تيار الوعي المتجسدة في الخط المائل، يجد القارئ نفسه ليس أمام الراوي وهو يعري مكونات ثقافة اضطرته للهجرة، أي تغيير وجهه من حيث كونه رمزا لهويته وحسب، وإنما أيضا أمام نظام بيروقراطي: “لقد مارسوا سلطة تجعلك تنتظر من أجل أن تستسلم.” (صص. 32-33) غير أن خالد يعض على هدفه بالنواجذ، ويسافر إلى ألمانيا الشرقية. وعلى الرغم من إحساسه بالوحدة، فإنه يدرك أن “العيش  في عزلة أفضل من العيش تحت نير العائلة”. ( ص. 62). ولئن كان يكشف عن واقعه في وطنه، فإنه أيضا يكشف عن واقع أوروبا الشرقية قبل سقوط جدار برلين. والتحول الذي سيحدث في أعقاب ذلك، خصوصا مع الرؤوس الحليقة أو النازيين الجدد المعادين للأجانب. كما أنه في تنكره لهويته من أجل هوية جديدة، قد أدرك أن الهوية التي ابتغاها قد رفضته. الذي سيجسد هذا الرفض هو ابنه الذي انخرط في حركة الرؤوس الحليقة. وما السقوط من الطابق السابع إلا دلالة رمزية على السقوط من ثقافة تربى في أحضانها إلى ثقافة لا ترحب بالغرباء، علما بأن ثقافات المجتمعات وإن كانت مختلفة في تقاليدها وعاداتها، فإن سلطات هذه المجتمعات تظل متناظرة: “في جميع أنحاء العالم، تشكل السلطة السلوك الجماعي وتنظمه، وليس فقط في ألمانيا الشرقية.” (ص.109).

إن تشكيل الذات نابع من مفاعيل السلطة، ومن ممارساتها التي يتم تمريرها عبر اللغة. في حواره مع كاثرين يدرك خالد أهمية اللغة و خطورتها: “غالبا ما تلوث الكلمات الصوت، لكن ثمة حالات ترفع فيها اللغة الصوتَ إلى مستوى جمالي لا نظير له، بل إلى مستوى مقدس.” ( ص. 74). إن السلطة تلتمس أي شيء لتظل سارية يقول خالد للكاثرين مرة أخرى: “الآن، عليك أن تصغي إلي بانتباه. عديدة هي التقنيات التي يلجأ إليها لتحسين السيطرة على أعداد الناس”. (ص.109). هكذا لا تمارس السلطة في جانبها السياسي وحسب، وإنما تتحكم في كل شيء. وإذا كانت كاثرين قد كشفت لخالد عن حقيقة النظام السياسي في ألمانيا الشرقية، فلأنها قد قامت بذلك  بعد ممارستهما للجنس. من خلال الجنس، نتلقى الحقيقة، بحيث يصير الجنس معادلا للاعتراف في المجال الديني. ( انظر السلطة والجنس)

قد تكون مأساة خالد متمثلة في إسرافه في الانغماس في ثقافة الغير. ذلك أن أي زيادة إنما هي نقص. إذ أن عودته إلى وطنه الأصلي لم يكن إلا من أجل القطع النهائي مع وسطه الأسري أولا و مع وطنه ثانيا. “يجب أن أقطع حبل السرة هذا نهائيا. إنها الطريقة الوحيدة التي يمكن أن أشعر حقا بالانتماء إلى هذا البلد العزيز الذي أعيش فيه حاليا. هكذا قال المهندس الشاب، أنا، خالد.” (ص.149) وإذ يعامل أمه بطريقة عنيفة، بحيث لم تكن تتوقع رؤية تلك الحشوات اللامعة داخل فهم طفلها، فإنه يعبر عن ذلك الإحساس البارد الذي بداخله. تشكل إذن الحشوات دالا معبرا عن هذا التحول الداخلي الذي سينكسر في نهاية المطاف. على شكل مونولوج داخلي يقول خالد: “هذا بالضبط ما أرغب فيه. أريد أن أضع حدا نهائيا لهذا الغضب العارم. لهذا السبب في الواقع عدت إلى الوطن هذه المرة، و لن أؤوب إليه ثانية. إنها المرة الأخيرة.” (ص. 162). هذه العودة الأخيرة إنما هي انتقام من قبله ليس على وطنه و إنما على ثقافته بالكل بحيث يقوم بأفعال يمجها أهله و سكان الحي. وهي أفعال تصل إلى حد تمثله كلبا. تصبح الثقافة بالنسبة إليه أحد الأشكال الأيديولوجية التي تشكل الفرد كما تريد لا كما يريد. من ثمة فمسعاه لنزع الوجه الذي يحمله هو مسعى لارتداء وجه آخر: “في الحقيقة، هذه الثقافة تسيطر على كل شيء. لا أحد بمنجى عنها. هنا يتجلى تأثيرها على وجوههم. إنني أريد أن أتخلص منها نهائيا.” (ص. 179). هكذا تصير الثقافة سلطة تمارس على الفرد في تنشئته الاجتماعية وضدا على كل رغباته واختياراته،يستبطنها و يحملها مثلما يحمل وجهه. ويصير أداة ناقلة بحيث من خلاله تتكلم الثقافة. أي أن الثقافة متكلِّم. غير أن من لا يحمل ثقافة/وجها مآله العدم الذي سيتجسد في مقتل الراوي خالد الذي يعتقد أنه قد يعيش في أمان إذا ما تخلص من وجهه: “مرت حوالي عشر سنوات منذ أن أدرت ظهري للمغرب. أنا متزوج وأب لطفل صغير. أحيا حياة كريمة برضى كمهندس. عندما يعيش المرء بلا وجه، ينعم بالسلام. ويمر دائما مرور الكرام. لا أعرف إن كان الآخرون ينتبهون إلي.”( ص.17).

ولعل ذهابه إلى بار دون كيشوت ذو أهمية بالغة من حيث أن الاسم يحيل على تلك الشخصية التي حلمت بقيم إنسانية في مجتمع متفسخ. لقد رام خالد من خلال التخلص من ثقافته فرض قيمه الخاصة به. وفي ذلك مأساته. إذ أن الحرية التي حلم بتحقيقها لا تخضع لأي قيم أخلاقية، ولا لأي ثقافة صاغها المجتمع من أجل تماسكه، من حيث أن هذه القيم إنما تمثل ضرورة اجتماعية. ومن ثمة فتخلصه من وجهه الحقيقي، على نحو رمزي، وبشكل واع، يعني عدم انتمائه لمجتمعه: “كانت أمي الوحيدة التي هرعت نحوي. في اللحظة التي لاحظت عدم امتلاكي لوجه، توقفت.” (ص.186). على أن عدم الانتماء هذا لا يتوقف عند الرغبة في الحرية أو التحرر من نير ثقافة مجتمعه وحسب، وإنما الوصول إلى حد خرق وانتهاك التابوهات: “من خلال الكلام، نحاول تعقب التابوهات والمحرمات، وكذا غموض هذه الوجوه. بفضل اللغة، نعبر عما لا نراه. وربما نرى، مع الوقت، وجوها أخف.” (ص. 191).  لا يتجسد عدم الانتماء في الفعل كما سبق القول، وإنما أيضا في القول، لكون اللغة سلطة، ولعل هذا ما تروم الرواية إظهاره، ذلك أن اللغة هي المتكلِّم، و المؤثر الفعلي في الفرد. يقول أيضا: “إن ألمانيا التي نقلوها إلي عبر بعض النصوص والصور كانت مختلفة بالكل عن التي اكتشفتها عند مجيئي.” (ص. 12). إن اللغة جزء من المجتمع، وسيرورة اجتماعية، ومشروطة اجتماعيا من قبل أجزاء المجتمع الأخرى. أي أن اللغة أحد أشكال الممارسة الاجتماعية من خلالها تتشكل الذات وتتأثر بها. ولكونها أيضا وعاء الثقافة، فالراوي، بإدراكه لذلك، يصرح قائلا: “أردت بحمق إعادة ما تركته من آثار على وجهي. حلمي كان هو قطع ” الحبل السري الثقافي” الذي يربطه بهذه الثقافة”. (ص. 198). وهذا لن يتحقق إلا من خلال اللغة باعتبارها سلطة أو من حيث أن “اللسان فاش”، معنى ذلك أن اللغة فاشية ومدمرة. ويقول في نفس الصفحة: “أردت أن أعيد لكم ما فرضتموه علي”. هكذا، يتم إخضاع الفرد للممارسات الثقافية من خلال اللغة، “ما أرغب فيه اليوم هو أن يكون لي وجه خارج كل شيء، خارج التاريخ. وجه بلا وجه.” (ص. 199).

إن عدم امتلاك وجه هو في حد ذاته وجه بلا ملامح، أي بلا ثقافة تحدد هويته، وجه يستحيل التعرف عليه، أو قد نجازف بالقول إنه اللامرئي. ومن ثمة كيف القبول به أو احتضانه. وإن اعتباره غريبا في نظر زوجته وابنه هو اعتباره عدما. ذلك إن إنكار أو رفض الفرد لهويته التي هي مجموعة من الانتماءات: في اللغة والعادات والتقاليد والطقوس… إلخ هو الحكم عليه بالعدم كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ” لم أشعر البتة في حياتي بمثل هذه الوحدة والعزلة كما أشعر اليوم. الآن أشعر بالخوف… منذ ذلك اليوم، صرت وحيدا، وحيدا بين الأعداء. (ص. 225). غير أن الشعور بهذه الوحيد ليست غير مدركة من قبله، وإنما هو على وعي تام بأسبابها ونتائجها: “هل أنا بصدد جني ثمار لا وجهي؟” (ص. 226). و يقول أيضا: ” أجل، إنه رعب اللامبالاة” (ص. 227)، علما بأن اللامبالاة أشد قسوة من العداء والكراهية. إنها لا ماهية الذات، واللاوجود:“والآن يريدون أن يسلبوا مني حقي في الوجود” (ص. 231).

يمكن القول إذن إن هذا النص الروائي صراع الذات مع الثقافة، في خطاباتها و ممارساتها. الثقافة أكبر من الفرد، تتشكل، مثل اللغة، خارجا عنه، وتفرض نفسها عليه في علاقته مع الآخرين ومع ذاته. ومعنى ذلك أن الفرد حتى وإن كان في عزلة تامة، فإنه يحمل ثقافته في داخله. على أن إنكارها أو التنكر لها ضرب من البله. وهكذا فالصراع معها لا يمكن أن ينتج عنه تحققا ذاتيا وإنما نتيجة مأساوية حتما. ذاك كان مصير خالد الجرموني في هذه الرواية.

ملاحظة: جميع الاستشهادات من ترجمتنا.

السلطة والجنس، حوارات مع ميشال فوكو، ترجمة لحسن أحمامة، دار شهريار، بغداد، 2017، ص. 113.

Paris, 2022 El Matine Azzeddine, Non-Visage, Editions Rahma,

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com