الفضاء الشعري :قصيدة نثرية لإسماعيل خضروفي
عند حافة الماء أفكّر ببطء
أجلسُ عند حافةِ الماء
لا بوصفِي رجلًا،
بل بوصفِي ما نجا من رجلٍ
بعد أن عبرتهُ الأسئلة.
الكرسيُّ تحتي
ليس خشبًا،
إنه بقايا شجرةٍ
علّمتني كيف أشيخ دون أن أنحني.
والغليونُ في فمي
فمُ كهفٍ صغير،
أشعل فيه نارًا خفيفة
كي لا أنسى
أن البدء كان شرارة.
أمسك الورقة
كما يمسكُ الغريقُ فكرةً أخيرة،
لا لأكتب،
بل لأتأكد
أن اللغة ما زالت تعرفني
بعد كل هذا الصمت.
خلفي
بحيرةٌ لا تعكس صورتي،
لأنها تعرفني أكثر مما أحتمل.
رأتني طفلًا
أرمي حجري الأول
لا لأصيب الماء
بل لأوقظه.
ورأتني حكيمًا كاذبًا
أخفي جهلي في جملةٍ متقنة.
ورأتني أخيرًا
أتعلم كيف أكون
بلا أقنعة.
القصبُ عند الضفاف
أعمدةُ معبدٍ سقط،
كل عودٍ منها
لغةٌ لم تكتمل،
وصلاةٌ نسيتها
حين استعجلتُ الخلاص.
أسمعها الآن
تتهجّى الريح
كأنها تستعيدني.
لستُ عجوزًا،
أنا زمنٌ
تعب من الجري داخلي
فجلسَ ليتأمل جراحه.
يديّ
خرائطُ تشققات،
أنهارٌ جفّت
لكنها لم تنسَ اتجاه البحر.
جلدي
نصٌّ مقدّس
رفضتُ تنقيحه
لأن الصدق
لا يحب الحذف.
في عينيّ
لا حنين،
بل معرفةٌ ثقيلة
تشبه معرفة أورفيوس
بعد أن التفتَ
وخسرَ الجنة
واحتفظ بالأغنية.
أنا الذي عاد
دون أن يعود،
وخسر كثيرًا
ليتعلم كيف يخسر أقل.
أشعل الغليون
كمن يقدّم قربانًا صغيرًا
للآلهة التي صارت أفكارًا.
النارُ،
النَّفَسُ،
الدخانُ الصاعد
ثالوثي الخاص
لأعيد خلق نفسي
كل مرة.
الورقة ترتجف
لا من الريح
بل من ثقل ما لم يُقل.
قد تكون وصية،
وقد تكون مجرد مسودة
لأسطورةٍ شخصية
لن يصدقها أحد
سواي.
لا أحد يراقبني
سوى الأشجار
والآلهة المتقاعدة.
حتى الجبال
تنصتُ بلا فضول،
فالذين جلسوا طويلًا مع الصمت
يصيرون أعلى من الأسئلة.
أنا لا أقرأ
أنا أستدعي.
كل سطر
روحٌ قديمة
أستجوبها دون عنف،
وكل فاصلة
استراحةُ محاربٍ
عاد من حروب الداخل
بلا ميداليات.
حين أرفع رأسي
لا أنظر إلى الأفق،
بل إلى داخلي،
حيث الوحوش
تخلّت أخيرًا
عن أنيابها
وتعلّمت أسماءها.
أنا لست فردًا،
أنا الأرشيف الحيّ
لأحلامٍ نجت من الحداثة،
آخر حارسٍ
لبوابةٍ
بين العقل والأسطورة،
بين ما عشته
وما كان يجب أن أعيشه.
وحين تنتهي الورقة
لن أنتهي.
سأطويها بهدوء
كما تُطوى العصور،
وأتركها قرب الماء
كي تكمل الحكاية
بطريقتها.
ثم أنفث دخانًا أخيرًا
يشبه روحًا صعدت
دون خوف،
وأجلس
لا منتظرًا شيئًا،
بل متأكدًا
أن العالم
ما زال بحاجة
إلى من يفكّر ببطء
عند حافة الماء
بين الأسطورة
ونفسي.
